التّقابلَ الضّدّيّ هو جوهرَ المعرفةِ الإنسانيّةِ..!
أ.د علي الدلفي ||

إنَّ (التّقابلَ الضّدّيّ) هو ما يمثّلُ (جوهرَ المعرفةِ الإنسانيّةِ)؛ وبدونهِ تبدو لنا المعرفةُ غيرَ منسجمةٍ؛ كما حدثَ على مسرحِ وزارةِ الثّقافةِ مِنْ محاولةٍ لتدنيسِ (المُقدّسِ)!
مِنَ المعلومِ لنا جميعًا أنّ العلاقاتِ بأنواعها المتعدّدةِ يصنعها الإنسانُ بين كلِّ الثّنائياتِ الضدّيّةِ في الحياةِ؛ بحيث يكونُ الإنسانُ مركزَ الكونِ وقطبَ رحاهِ. وإنَّ العلاقةَ العدائيّةَ بينَ اللهِ والشيطانِ أساسها الإنسانُ، فلو لم يخلقْ اللهُ الإنسانَ ما انحرفَ إبليس (الشيطان)؛ وَقَدْ أشارَ القرآنُ الكريمُ إلى هذهِ الجدليّةِ. وعلى اعتبارِ أنَّ اللهَ أصلُ كلِّ خيرٍ، والشيطانَ أصلُ كلِّ شرٍّ، فكلُّ ثنائيّةٍ متعارضةٍ إنّما هي فرعٌ عن الثنائيّةِ الأصليّةِ: النورُ خيرٌ، والظلامُ شرٌّ، والحقُّ خيرٌ، والباطلُ شرٌّ… وهكذا.
والإنسانُ؛ بطبيعةِ الحالِ؛ هو الصّلةُ بينَ هذهِ المتضادّاتِ … .
وهذا ما ذهبَ إليهِ عالمُ الاجتماعِ السّويسريّ (إميل دوركايم)، وَقَدْ حدّدَ علاقةَ العداءِ بينَ (المقدّسِ) وضدّهِ (المدنّسِ) في كتابهِ (الأشكال الأوليّة للحياة الدينيّة)؛ إذْ يرى أنَّ (المقدّسَ والمدنّس) لا يجتمعانِ؛ إطلاقًا؛ في مكانٍ واحدٍ أو بيئةٍ ثقافيّةٍ واحدةٍ؛ إلّا في حالةِ توقّفِ موازينِ العقلِ الفكريّةِ عند الفردِ والمجتمعِ؛ وهذهِ الحالةُ لا تحدثُ يوميًّا! وليسَ فجأةً!!
وإنّما يتمُّ التّخطيطُ إليها مسبقًا! كتهيئةِ الأرضيّةِ المناسبةِ عن طريقِ الإعلامِ المنظّمِ المؤدلجِ؛ واستغلالِ فشلِ السّلطةِ في توفيرِ بيئةٍ اجتماعيّةٍ صالحةٍ للعيشِ! ويبقى عاملُ (الغزو الثقافيّ والاجتماعيّ) المؤثّرَ الأهمَّ في ذلكَ كلّهِ. وَقَدْ يسألُ سائلٌ! ما الهدفُ من خلطِ الضّدّيّاتِ مع بعضها كما حدثَ في مهرجانِ وزارةِ الثقافةِ الأخيرِ؟
أقولُ: إنّ (المقدّسَ) في تصوّرهِ متماثلٌ مع الدّينيّ، لذا فهو مميّزٌ بالتعالي عن حياةِ الأفرادِ، وهو الوجهُ المفازُ والمتعالي لحياةِ الجماعةِ الدنيويّةِ؛ وبسببِ سماتهِ وخصائصهِ تلك لا يستطيعُ التّعايشَ مع ما يعارضهُ ويهدمهُ؛ وهو (المدنّس). فـ(المقدّسُ) هو كلُّ ما تقومُ بهِ النواهي الدّينيّةُ لحمايتهِ وعزلهِ. أمّا (الأشياءُ المدنّسةُ)؛
فهي تلكَ التي تنطبقُ عليها هذهِ النواهي، والتي يجبُ أنْ تبقى بعيدةً عن الأشياءِ الأولى. و(الأشياءُ المقدّسةُ) يجبُ أنْ تنفصلَ؛ تمامًا؛ عن (الأشياءِ المدنّسةِ) وليسَ ذلك حسب؛ وإنّما تبتعدُ عن كلِّ ما يمتّ بصلةٍ من بعيدٍ أو من قريبٍ بالمدنّسِ. والحياةُ الدنيويّةُ يجبُ ألاّ تتدخّلَ بأيّ شكلٍ من الأشكالِ في الحياةِ الدّينيّةِ للمحافظةِ على الموازينِ الفكريّةِ والدّينيّةِ والاجتماعيّةِ بالاعتمادِ على القيمِ العاليةِ: “الموروثةِ، والبيئةِ، والمجتمعِ”.
يتّضحُ مِمّا تقدّمَ أنَّ الطّاهرَ لا يلتقي مع النّجسِ؛ والمقدّسَ لا علاقةَ له بالمدنّسِ. وبناءً على ذلكَ يمكنُ أنْ نتحدّثَ “نحن الشيعةَ” في ضوء “الزمان؛ والمكان؛ والبيئة” عن المعجزاتِ والكراماتِ باعتبارها تجلّيّاتٍ للمقدّسِ، وأكبرُ تجلٍّ (للمقدّسِ) لدينا هو الإمامُ الحسينُ (عليهِ السّلامُ) الذي يقرُّ المذهبُ الجعفريُّ بإعجازهِ وقداستهِ.
ولهذا كانَ الهدفُ من فعلةِ وزارةِ الثقافةِ تلكَ هو إسقاطَ فكرةِ (المقدّسِ) مِنَ الثّقافةِ العراقيّةِ الشّيعيّةِ؛ لإلغاءِ الهويّةِ وطمسها إلى الأبدِ… .
إنّ الثّقافةَ الشّيعيّةَ العراقيّةَ لا يمكنُ أنْ تحيا إلّا في ظلِّ (المقدّسِ)؛ وإنّ فكرةَ (المقدّسِ) راسخةٌ في كلِّ المجتمعاتِ الإنسانيّةِ العالميّةِ القديمةِ والحديثةِ؛ ولكنْ نجدُ سيميائيّةَ (المقدّسِ) هي (الأقدس) في مجتمعنا العراقيّ الشّيعيّ لارتباطها بثأرِ اللهِ وابنِ ثأرِهِ… .




