“مقرفةٌ” هذهِ الخوارزميّةً اللاتواصليّةُ..!
د. علي الدلفي ||

في زمنٍ تُدارُ فيهِ العقولُ عبرَ شاشاتِ الهواتفِ؛ تفرضُ علينا الخوارزميّاتُ حضورها الطاغي؛ لا كأداةٍ مساعدةٍ؛ بل كسيّدٍ متحكّمٍ في السلوكيّاتِ، والأذواقِ، والقيمِ. خوارزميّةُ “اللاتواصلِ” لم تُصمَّمْ لفتحِ مساحاتِ الحوارِ أو إثراءِ التجاربِ الإنسانيّةِ؛ بل لاحتكارِ الانتباهِ وتقييدِ الإنسانِ داخلَ فقاعةٍ مصطنعةٍ من المحتوى الموجّهِ.
هذهِ الخوارزميّاتُ لا تعرفُ إنسانيّتكَ؛ ولا تفهمُ معاناتكَ؛ ولا تكترثُ لقيمكَ. كلُّ ما تفعلهُ هو قراءةَ أنماطكَ الرقميّةِ ثمَّ إعادةَ تدويرها في قالبٍ يضاعفُ تعلّقكَ بالشاشةِ. والنتيجةُ: عزلةٌ اجتماعيّةٌ عميقةٌ؛ وتحوّلُ القيمِ الإنسانيّةِ إلى “بياناتٍ” قابلةٍ للبيعِ، وسلوكياتٍ متشابهةٍ مُعلّبةٍ، وكأنَّ البشرَ أصبحوا نسخًا مكرّرة تتحرّكُ بإيقاعٍ واحدٍ. والأدهى أنَّ هذهِ الخوارزميّات تعيدُ تشكيلَ الأخلاقِ من دونِ أنْ نشعرَ! فهي تحدّدُ ما يثيرُ غضبنا، وما يُضحكنا، وما نعدّهُ “مهمًّا” أو “تافهًا”. إنَّنا أمامَ سلطةٍ رقميّةٍ غيرِ مرئيّةٍ تتلاعبُ بمزاجِ المجتمعِ وتوجّههِ نحو القبولِ بما يُعرضُ عليهِ؛ لا بما يختارهُ هو.
إنَّ خطورةَ هذهِ الخوارزميّةِ كما يرى المفكّر الفرنسيّ دومينيك وولتون في كتابهِ: الإعلام ليسَ تواصلًا تكمنُ في أنَّها تزرعُ “اللاتواصلَ” في صميمِ حياتنا؛ فكلُّ فردٍ يعيشُ داخلَ “فقاعتهِ” الخاصّةِ بعيدًا عن الآخرِ حتّى وإنْ كانَ يتحدّثُ معهُ يوميًّا عبرَ الرسائلِ والتعليقاتِ! لأنَّ التواصلَ الإنسانيّ الحقيقيّ ذلكَ الذي يقومُ على النظرةِ والصوتِ والدفءِ يتلاشى شيئًا فشيئًا لصالحِ “إعجابٍ” سريعٍ أو “مشاركةٍ” عابرةٍ أو “تعليقٍ” باهتٍ.
لَقَدْ آنَ الأوانُ لأنْ ندركَ أنَّ هذهِ الخوارزميّاتِ ليستْ محايدةً؛ بل هي منظومةٌ تسعى إلى صناعةِ إنسانٍ استهلاكيّ، مُنغلقٍ، مسلوبِ الإرادةِ. والواجبُ علينا أنْ نعيدَ السيطرةَ على وعينا؛ وأنْ نكسرَ دائرةَ التوجيهِ الخفيّ؛ وأنْ نُعيدَ الاعتبارَ لقيمةِ التواصلِ الإنسانيّ الأصيلِ الذي لا يُقاسُ بعددِ المتابعينَ أو نسبةِ التفاعلِ، بل بصدقِ المشاعرِ وعمقِ الروابطِ.




