اغتيال الحقيقة… حين تتحول الكلمة والصورة إلى هدف للرصاص..!
قاسم الغراوي ||
كاتب وصحفي

في زمن الفوضى الدولية وتواطؤ الصمت، رحل الشهيد أنس الشريف مراسل قناة الجزيرة، ومعه رفاقه محمد قريقع، إبراهيم ظاهر، ومحمد نوفل، برصاص كيان اعتاد أن يخشى الكلمة الصادقة أكثر من الرصاص الذي يطلقه. هؤلاء لم يكونوا مقاتلين يحملون السلاح، بل كانوا عيونًا تنقل للعالم ما يريد الاحتلال طمسه، وأصواتًا تفضح جرائمه في غزة.
منذ أكتوبر 2023 وحتى اليوم، ارتكب الاحتلال الصهيوني مجازر متكررة بحق الصحفيين، ليصل عدد الشهداء من أهل الإعلام في غزة إلى 237 صحفيًا، في أكبر عملية استهداف للصحافة في العصر الحديث. هذا الرقم لا يمثل مجرد إحصائية، بل يختصر مأساة شعب، ويكشف تصميم الاحتلال على إخفاء الحقيقة عبر إسكات شهودها.
لم يكن أنس مجرد مراسل ميداني، بل كان شاهدًا على واحدة من أعنف المراحل التي مرت بها غزة. تحدى الخطر، وسار في شوارع مدمرة محاطًا بالقصف والدخان، ليُخرج للعالم صورًا حيّة تشهد على حجم الجريمة. ثباته كان موقفًا، وإصراره كان رسالة مفادها أن الحق لا يُروى من مكاتب آمنة، بل من قلب الخطر.
اغتيال الصحفيين يعد انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف التي تحمي المدنيين والعاملين في المجال الإنساني والإعلامي. لكنه أيضًا دليل على أن الاحتلال يدرك تمامًا أن الصورة والكلمة أقوى من سلاحه، وأن معركة الوعي لا تقل خطورة عن معركة الميدان.
حين تُرتكب مجزرة بحق الصحافة ولا يتحرك المجتمع الدولي إلا ببيانات باهتة، فإن ذلك يفتح الباب لمزيد من الجرائم. الصمت هنا ليس حيادًا، بل هو تواطؤ مقنّع يمنح القاتل الضوء الأخضر ليمارس جرائمه بلا حساب.
دماء أنس ورفاقه ليست نهاية القصة، بل بدايتها. فقد تحولت عدساتهم التي أُسكتت إلى أيقونات ناطقة، وصاروا رمزًا لكل من يؤمن بأن نقل الحقيقة واجب لا تسقطه التهديدات ولا توقفه الطائرات.
إن جريمة اغتيال هؤلاء الأبطال تضع العالم أمام سؤال واحد: هل ما زال الحق يجد من يحمله، أم أن الصوت الحر أصبح تهمة تكفي لإصدار حكم الإعدام؟
11/8/2025
https://t.me/+dshAlnqux-llYjUy




