الجمعة - 12 يونيو 2026
منذ 10 أشهر
الجمعة - 12 يونيو 2026

د. محمد هاشم البطاط ||

 

 

في خضم المعاناة الجسيمة التي يرزح تحت وطأتها الفلسطينيون بشكلٍ عام، وأهالي غزّة بشكلٍ خاص، نلاحظ صمتاً عربياً فاضحاً مع دعواتٍ خجولة للتهدئة تظهر بين الفينة والأخرى، وكأن الإبادة الجماعية وحصار المجاعة والقتل الذي يفتك بالأبرياء في فلسطين لا يجري لأبناء جلدتنا في العروبة والدين!

ثمة مشهد معبر في فلم Patriot الذي قام ببطولته الممثل الامريكي الشهير Mil Gibson، والذي يظهر في الفلم كقائد حرب التحرير الأمريكية، في هذا المشهد لا يرغب البطل في الاشتراك في القتال في بادئ الأمر مدعياً أنه رأى من الحروب الشيء الكثير، فيرد عليه أحدهم بالقول (إن عدم إتخاذ موقف هو في حد ذاته موقف، أحياناً يكون الحياد جبناً)!، نعم هذا التوصيف الدقيق للحياد الذي يعني التخلي عن المبادئ،

وطلباً السلامة بذرائع شتى، والذي تتبناه أكثر الدول العربية الآن، ولكنها لا تُدرك أن لا سلامة أمام خطر الصهيونية التوسعي الذي يأكل كل شيء كنار الهشيم.

وهذا يذكرني بمقولة شهيرة لعبد الرحمن بن صخر (21-59هـــ)، والمشهور بأبي هريرة، يقول فيها (الصلاةُ خلفَ عليٍ أتم، وطعامُ معاوية أدسم، والوقوفُ على التلِّ أسلم)،

هنا يؤسس أبو هريرة لمعادلة مخاتلة تقوم على المراوغة والخداع في ظل صراع الحق ضد الباطل، إذ على الرغم من إقراره بأن الحق مع علي، لكنه يرى في مغريات السلطة والمال القادمة من حاكم الشام أمراً لا يمكن الوقوف ضده، وبين الطرفين، طرفا الحق والباطل،

يقرر أبو هريرة الوقوف على التل، والملفت في أمر هذه الاستراتيجية أنها ليست حياداً أساساً، ولا وقوفاً على التل، بل كانت خيانة للحق، وإتباعاً للباطل متلبساً بثوب الحياد، نفس الأمر يمكن أن يقال على الحياد العربي الذي يقف متفرجاً أمام صرخات الأطفال والنساء والشيوخ الجوعى من اهالي غزة، لتفتخر مصر (حامية العروبة ورائدتها) بالنظر والصمت،

وتقوم بالإغلاق التام لمعبر رفح بوجه الأبرياء، بل بوجه التأريخ الذي لا يرحم، نوفس الأمر يقال على سائر الدول العربية من دول الطوق لفلسطين أم لسواها.

لقد تم تمرير الخيانة على أنها حياد، والصمت على أنه نظرة أستراتيجية تعي المصالح القومية للدولة،

ولتتحول عملية الذلّة في منح ترليونات الدولارات للرئيس الامريكي طلباً لرضاه إلى إدراكٍ للشراكة الاستراتيجية، وهكذا تنحرف البوصلة، بل تتحطم، في ظل غياب معيارية الحق والباطل، وإلباس الخضوع والصمت العربي لباس الحياد، والوقوف على تلٍ لم يكن بمرتفعٍ على الأرض، بقدر ما كان منخفضاً في التاريخ والأخلاق والضمير.