النزعة التجريبية الغربية والتأسيس للإلحاد المعاصر/الجزء الثالث)..!
د. محمد هاشم البطاط ||

لم يكتف التيار العِلموي في مغالاته بالمنهج التجريبي وحرف مفهوم العلم وتقزيمه، وانما سعى بعض العِلمويين الى التطرف الشديد في خطتهم فأسسوا كنيسةً لهم معلنين انطلاق العلموية كدين جديد تحت مسمى الكنيسة العِلموية Scientology ! إذ اقدم كاتب افلام الخيال الامريكي رون هوبارد الى تاسيس هذه الكنيسة عام 1954،
ان الافكار التي تدعو لها هذه الكنيسة غريبة، فهي بلا تعاليم دينية محددة، يشوبها الكثير من الغموض، اتهمتها بعض الدول بالاحتيال والنصب، إذ تتخذ من الايمان بالعلم التجريبي فخاً لنشر “الالحاد الجديد”،
اذ انها لا تؤمن بالدين ولا بالله تعالى، حتى تسميتها بالكنيسة فيه مخادعة لجذب الشباب المسيحي لها، والا فهي لا تمت للكنيسة المسيحية باية صلة، وهذا يُدلل على انها خطوة مخادعة تلعب على ورقة انها ليست دعوة إلحادية مباشرة، وقد انتمى اليها عدد من مشاهير هوليوود مثل مثل توم كروز وجون ترافولتا وهما ممثلان مشهوران يمكن ان ينفعا العلموية في جذب الشباب اليها، لكن هل هي مصادفة ان يكون رون هوبارد مؤسس الكنيسة ضابطاً سابقاً في الجيش الامريكي!! ولماذا تتسم الكنيسة العِلموية بالغموض والسرية حتى كأنها شبيهة بسرية الجمعيات الماسونية الغامضة؟
ولماذا سمحت الكثير من السلطات الغربية وعلى رأسها السلطات الامريكية بانتشار هذه الكنيسة على ما فيها من غموض وسرية؟
يبدو ان التيار العلموي بعد ان تطرف في تعامله مع الدين وتأسيسه هكذا مؤسسات صار اداةً سياسية يتم من خلالها السعي لاضعاف الايمان والتدين عند الشعوب، والملفت للنظر ان الكثير من شبابنا غير ملتفتين لخطورة المنهج العلموي، حتى صار الكثير منهم يفتخر بانه علموي! بل راح البعض، في العراق وغيره، يؤسس لما أسموه بالعلوم الحقيقية The Real Scienceفي اشارة الى ان العلوم الحقيقية هي العلوم التجريبية وحدها، وان سائر العلوم التي تعتمد المناهج الأخرى هي علوم غير حقيقية! وهذا فخ لايقاع الشباب المسلم به، لانهم وجدوا صعوبة في تمرير الافكار الالحادية في مجتمعاتنا بشكل مباشر،
فراحوا يخدعون الناس بأنهم لا يستهدفون الدين، وانما منهجهم العلم وحده، ومحاربة الخرافات والاوهام، ثم تدريجياً يجرون الشباب الى ترك الدين بذريعة ان الدين والامور الدينية تعد غيبية لا يمكن اثباتها بالمنهج التجريبي، فالعلموية هي الحاد جديد، أو لنقل (إلحاد معاصر) يتم من خلالها –العِلموية- استهداف عقيدة الناس وايمانهم تحت مسمى العلم، ولعل هذا يثبت ان محاولات تقزيم مفهوم العلم وحبسه داخل المعنى التجريبي/المادي لم تكن محاولات بريئة وعفوية، لان النتائج التي افضت اليها تشير الى خطورة النوايا والخطط التي تقف خلفها.
من هنا يمكن القول ان النتيجة التي أدت اليها العِلموية، من إلحاد ناعم يستهدف عقيدة الناس وإيمانهم، تمثل إمتداداً للفكرة الخاطئة والخطيرة المتمثلة بإختزال مفهوم العلم، بكل ما يحتوي من مناهج متعددة، داخل المنهج التجريبي الحسي فقط، الامر الذي قاد الى خلل منهجي كبير داخل العلم نفسه ، والذي صارت الكثير من الجامعات في الدول الاسلامية تستخدم هذا المفهوم للاسف الشديد،
بالاضافة الى النخب الفكرية والثقافية في مجتمعاتنا التي يمارس بعضها الإتباع الاعمى لكل ما يرد الينا من الغرب دون اي تمحيص او تحقيق او فحص، ولو أننا أحتفظنا بالمفهوم الصحيح للعلم والذي يتبناه الفكر الاسلامي المتثمل بإقرار وجود تعددية منهجية للعلم، لما وصل الامر الى هذه الحالة الخطيرة والمؤسفة،
فالفكر الاسلامي، من خلال ما نظّر له كبار علماؤنا، يؤمن بأن العلم لا يمكنه الاعتماد على منهج علمي واحد سواء كان تجريبياً أو غيره، لان بعض القضايا العلمية تحتاج لدراستها منهجاً تجريبياً كالامور المادية المحسوسة، بينما تتطلب غيرها منهجاً عقلياً فلسفياً تأملياً، ومنها يقوم على المنهج الغيبي المتمثل بالوحي المنزل على قلب النبي الخاتم (صلى الله عليه واله وسلم) وما وصلنا من امتداده الصحيح (أئمة أهل البيت عليهم السلام)،
ومنها ما يحتاج الى أكثر من منهج واحد في نفس الوقت، ذلك ان العلاقة بين المناهج العلمية هي علاقة تكاملية يكمل بعضها بعضاً، غير ان الاهداف الالحادية والمدفوعة بأغراض سياسية وغير سياسية تسعى لجعل العلم يرتكز فقط على المنهج التجريبي الحسي، و محاربة كل ما يمت للايمان والغيبيات بصلة.




