(النزعة التجريبية الغربية والتأسيس للإلحاد المعاصر/الجزء الثاني)..!
د. محمد هاشم البطاط ||

لقد تم عبر إختزال المناهج العلمية المختلفة كلها في المنهج التجريبي، وصعود النزعة التجريبية الغربية، تأسيسَ فخٍ خطير أوقعوا الناس فيه من خلال تأكيد مغالطة ان المنهج التجريبي هو التعبير الوحيد عن العلم دون غيره، وان الأديان والإيمان بالغيب تنتمي الى المرحلة (ما قبل العلمية)، لان الايمان بالعلم يعني التخلي عن الدين والغيب!!
ثم برز تيار ما يُعرف بـــ”العِلموية Scientism” في القرن العشرين وما يزال الى يومنا هذا، والعلموية وإن كانت، كمضمون فكري، يعبر عن أحد متبنيات فلسفة الحداثة، ومقولة أساسية من مقولاتها، وأسبق بكثير من القرن العشرين، إلا أننا نتكلم هنا عن التيار المعاصر لإفراز الحداثة هذا،
وهو تيار متطرف علمياً يؤكد على ان العلم الموثوق والصحيح هو وحده القائم على المنهج التجريبي المادي، و كل ما لا يمكنني ان اثبته بالتجربة فإنه غير موجود! فهو تيار يمارس الافراط بالمنهج التجريبي كما مارست الكنيسة سابقاً التفريط فيه، وبين الافراط والتفريط يُريدون ان يسقطونا في مغالطة ان من يؤمن بالله سبحانه وتعالى وبالدين يكون غير علمي وغير عقلي، ومن ثم نصب مكيدة شكل جديد من أشكال “الالحاد”،
ويبدو ان هناك عقدة مهيمنة على الفكر الغربي، لأنه عاش في ظل سيطرة الكنيسة لقرون طويلة تغييباً كبيراً للمنهج التجريبي وللعقل التجريبي، فأنتج ردة فعل عكسية مغالية بالمنهج بالتجريبي ومغيبة للمنهج العقلي وللمنطق الغيبي.
فهذا ستيفن هوكينغ الفيزيائي المشهور يعلن في كتابه (The Grand Design) ان (الفلسفة قد ماتت، وان العلماء التجريبيين أصبحوا حملة شعلة العلم في رحلتنا للمعرفة) ، ويتفق معه زعيم الالحاد المعاصر عالم الاحياء البريطاني ريتشارد دوكنز في كتابه (Devil’s Chaplain) على ( ان العلماء التجريبيين هم المتخصصون في اكتشاف ما هو حق بخصوص هذا العالم والكون) ، هكذا جعلوا العلم القائم على المنهج التجريبي المادي هو الوحيد القابل للتصديق والحامل للموثوقية العلمية، لكن هل فعلاً يمكن للعلم ان يُختزل بالمنهج التجريبي ويتخلى عن العقل الفلسفي؟
لقد قدّم الكثير من العلماء رداً على هذه المغالطة التي تحصر العلم بهذا المنهج، ولا يسع هذا المقال لسردها جميعها، لكن هناك اشكالاً مهماً يعجز المنهج التجريبي ودعاته عن رده، يتمثل في الآتي: مَن الذي يُثبت صحة التجربة وكونها الطريق الوحيد للعلم والمعرفة؟ هل يمكن ذلك من خلال التجربة نفسها أو عن طريق شيء اخر غير التجربة؟ إذا كان الجواب ان ذلك يتم من خلال التجربة فإن ذلك يعني الوقوع في مأزق (الدور المنطقي) فكيف تُثبت التجربة صحة التجربة! فالجميع يعلم ان اثبات الشيء لنفسه غير صحيحاً علمياً.
أما اذا كان الجواب ان التجربة تُثبت صحتها كقاعدة علمية عن طريق شيء اخر غيرها، اذن هذا اعتراف بوجود شيء اخر غير التجربة يعتمد عليه المنهج التجريبي لاثبات صحته العلمية فكيف يقولون ان التجربة هي الطريق الوحيد للعلم؟
من هنا يتبين عقم المنهج التجريبي ليعبر لوحده عن العلم، فالعلوم على تعددها تحتاج الى مختلف المناهج التجريبية وغير التجريبية لاثبات موضوعاتها بشكل متعاضد ومتكامل، اذ ان التجربة تحتاج الى قواعد عقلية لاثبات صحتها، وهذه القواعد العقلية يُعتمد عليها وعلى غيرها لاثبات حقيقة وجود الله سبحانه وتعالى وصحة الايمان بالغيب والدين الاسلامي الذي يقبل ويتماشى مع المناهج العلمية ومنها المنهج التجريبي في المجال المادي/الحسي ضمن حدوده الصحيحة والمقبولة.




