الثلاثاء - 09 يونيو 2026

تفكك العلاقة بين الشعب والسلطة في العراق: نحو نهاية منظومة ما بعد 2003..!

منذ 10 أشهر
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

كاظم الطائي/ Nor ||

 

 

نضع بين أيديكم هذه الورقة التحليلية بوصفها محاولة لقراءة الواقع السياسي العراقي بعيدًا عن المجاملات والتحفظات التي قد تُغيب بعض الحقائق الجوهرية. نحن لا نتمنى ولا نسعى إلى ترسيخ صورة سوداوية، ولكن المعطيات القائمة تشير إلى نتيجة تكاد تكون حتمية: العملية السياسية في العراق تواجه واحدة من أخطر مراحلها، وقد تكون مقبلة على نهاية وشيكة، ما لم تطرأ متغيرات جذرية تُعيد لها بعضًا من الشرعية المفقودة.

الملخص:

تتناول هذه الدراسة الأزمة العميقة التي تمر بها العملية السياسية في العراق، في ظل تصاعد السخط الشعبي، وتراجع ثقة المواطن بمخرجات النظام الانتخابي، وتراجع دعم المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، التي لطالما شكّلت أحد أهم مصادر الشرعية المعنوية للنظام السياسي ما بعد عام 2003.

تحلل الورقة مظاهر هذا التآكل من خلال ثلاثة محاور رئيسية: الفشل المؤسسي في تقديم الخدمات الأساسية، غياب الفاعلين السياسيين القادرين على تجسير الفجوة بين الدولة والمجتمع، والضغوط الدولية المتزايدة التي تسعى إلى إعادة توجيه المسار السياسي في العراق.

كما تستعرض الدراسة التحول اللافت في خطاب المرجعية، من موقع النصح والتحفيز إلى موقع الإنذار والتحذير، مما يفتح باب التساؤل حول ما إذا كانت البلاد مقبلة على إصلاح جذري للنظام القائم، أم على نهاية منظومة سياسية باتت عاجزة عن تجديد شرعيتها.
تعتمد الورقة المنهج الوصفي–التحليلي، مع الاستناد إلى قراءة الخطاب الديني والسياسي، وتحليل البيئة الاجتماعية الداخلية، في سبيل استشراف مستقبل العملية السياسية في العراق.

الخلاصة التنفيذية:

العملية السياسية في العراق – الشرعية السياسية – مرجعية النجف الأشرف – السخط الشعبي – الانسداد السياسي – الفاعلون السياسيون – الانتخابات العراقية – التدخل الخارجي – ما بعد 2003 – النظام السياسي العراقي

أولًا: السخط الشعبي وتآكل الشرعية

تعيش الطبقة السياسية في العراق أزمة عميقة مع الشارع نتيجة تراكم الإخفاقات الخدمية والاقتصادية، وارتفاع معدلات الفساد، والتقصير في ملفات حيوية مثل الكهرباء، المياه، التعليم، والصحة. وقد مثّل ملف خور عبد الله نموذجًا صارخًا لانعدام الشفافية، ما زاد من قناعة الجمهور بوجود تفريط متعمّد بالسيادة الوطنية من قبل بعض الأطراف السياسية.
هذا التدهور المتراكم أدى إلى فقدان الشرعية السياسية، وتراجع الإقبال على الانتخابات، وازدياد الشعور بالعزلة بين المواطن والدولة، مع غياب الثقة بكل ما يُطرح بوصفه مشروع إصلاح داخلي.

ثانيًا: اختلال التوازن السياسي وغياب الفاعلين المؤثرين

أدت التحولات الأخيرة إلى غياب بعض الشخصيات السياسية التي كانت تمثّل توازنًا داخل النظام، والتي كانت المرجعية تعلّق عليها آمالًا في الإصلاح. عدم رغبتها أو قدرتها على خوض العملية الانتخابية، نتيجة لتجذر الإحباط، وجّه ضربة قاسية إلى الشرعية السياسية القائمة، وأفرغ الساحة من رموز وطنية كان يُعوّل عليها كما يقال في ملء الفراغ السياسي.

ثالثًا: موقف مرجعية النجف: من التحذير إلى اليأس

لطالما شكّلت مرجعية النجف الأشرف صمّام أمان للعملية السياسية في العراق. غير أن التحوّل في خطابها مؤخرًا يُشير إلى تخلّيها الواضح عن دور الحاضنة المعنوية للنظام السياسي. فقد انتقلت المرجعية من موقع النصح والتحفيز، إلى موقع الإنذار ثم الصمت، وأخيرًا التعبير الصريح عن اليأس، كما ظهر من خلال منبر الجمعة حينما قيل: “اتقوا الله”، في إشارة ضمنية إلى سحب الغطاء الشرعي عن الطبقة السياسية الحالية.
هذا التحوّل يُعدّ لحظة مفصلية، تُشير إلى أن المرجعية قد بلغت قناعة مفادها أن أفق التغيير بات مسدودًا.

رابعًا: الشارع والمرجعية… علاقة بحث عن الخلاص

في ظل الانسداد السياسي، بات الشارع العراقي يتطلّع إلى مرجعية النجف الأشرف كملاذ أخير، في ظل فقدانه الثقة بالنظام السياسي بكامله. وتحوّلت المرجعية من كونها مصدر توجيه معنوي إلى جهة يُحمّلها الشعب أمل الخلاص، وهذا يعكس فشل الدولة في تقديم أدوات دستورية قابلة للحياة السياسية والاجتماعية.
هذا الوضع يُكرّس ما يمكن وصفه بـ أزمة التمثيل السياسي، حيث لم يعد الشارع يجد في النظام الحالي قنوات شرعية أو فعلية للتغيير.

خامسا: التأثير الخارجي وإعادة توجيه المسار

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية، عبر أدواتها السياسية والاقتصادية، إلى إعادة توجيه المسار السياسي في العراق نحو مسارات تتماشى مع التوازنات الإقليمية الجديدة. وتُستخدم وسائل متعددة لتضييق الخناق، منها تقليص الموارد، وتقييد التحويلات المالية، وتحجيم فاعلية بعض القوى السياسية.

ويُضاف إلى ما سبق، أن هشاشة العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وافتقاد النظام لقاعدة اجتماعية متماسكة، يجعل من التدخل الخارجي أكثر سلاسة وفاعلية. إن تفكك الثقة بين الشعب والسلطة، وتراجع مكانة النخب السياسية، يخلق فراغًا سياسيًا واجتماعيًا يُسهّل على القوى الدولية فرض مسارات جديدة دون مقاومة داخلية تُذكر.

سادسًا: العجز السياسي واستقالة الإرادة

أما الطبقة السياسية الحالية، فقد أظهرت عجزًا واضحًا عن تقديم مشروع وطني جامع أو خطاب إصلاحي مقنع. واللافت أن هذا العجز لم يعد مجرد فشل، بل تحوّل إلى استسلام كامل للأمر الواقع، واستقالة فعلية من مسؤولية الإنقاذ. هذا “الاستسلام” السياسي هو ما يضع العملية السياسية برمتها على منصة الانتحار الذاتي.

خلاصة القول:

تتلاقى اليوم أربعة محاور ضاغطة: الغضب الشعبي، غياب الرموز الوطنية، يأس المرجعية، والضغط الدولي، لتضع النظام السياسي العراقي في لحظة حاسمة.

ما لم تُبادر القوى الوطنية إلى إعادة بناء الشرعية السياسية على أسس جديدة تتجاوز إخفاقات المرحلة الماضية، وتُقدّم قيادة نزيهة وقادرة، فإن ما نعيشه اليوم قد لا يكون مجرد أزمة عابرة، بل نهاية منظومة سياسية وولادة أخرى لم تتضح معالمها بعد.