الثلاثاء - 09 يونيو 2026
منذ 11 شهر
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

كوثر العزاوي ||

 

 

في احتدام الحروب وضجيج تنوع الأسلحة، وفنون الموت، ثمة موت آخر يتسلّل بلا رحمة، بلا وازع من ضمير، لا تصاحبه صفارات إنذار، ولا يتصدر العناوين العاجلة. إنه “الجوع”، ذلك الوحش الكاسر، والقاتل الصامت، الذي يزحف على غزة المنهَكة، ليحوّل بطون أطفالها وكبارها إلى ساحة حرب، وأفواه الأمهات إلى مآذن للدعاء لاصوت معها.

فقد جاء بيان مرجعنا الأعلى، صاحب القلب الرحيم، واليد المبادِرة دومًا لانتشال النفوس المنهكة، سماحة السيد العزيز “عليّ السيستانيّ” أدام الله ظله الوارف.

فوضع إصبعه المبارك على الجرح قائلًا:
[واذا لم يكن المتوقع من قوات الاحتلال إلا ممارسة هذا التوحش الفظيع في إطار محاولاتها المتواصلة لتهجير الفلسطينيين من وطنهم، فإنّ المتوقع من دول العالم ولا سيما الدول العربية والإسلامية، أن لا تسمح باستمرار هذه المأساة الإنسانية الكبرى بل تكثف جهودها في سبيل وضع حد لها، وتمارس أقصى ما تستطيع لإلزام كيان الاحتلال وحماته لفسح المجال لايصال المواد الغذائية وسائر المستلزمات المعيشية إلى المدنيين الأبرياء في أقرب وقت ممكن..].

من هنا نفهم، إنّ حرب المجاعة ليست فقط جريمة تُرتكب بحق أهل غزة، بل هي جرح في إنسانية هذه الأمة، وإن الصمت عنها خيانة للضمير. أمّا مايسمى بالقانون الدولي الإنساني- هذا إن بقيت ثمة إنسانية- ألا يُعدّ تجويع المدنيين جريمة حرب لا تقلّ بشاعة عن القتل بأسلحة الدمار المتنوعة؟!. فمتى يُطبّق هذا القانون إن لم يُطبّق على غزة اليوم؟! ثمّ لماذا لم تُسجَّل مواقف دولية رادعة، ولا حتى إجراءات قانونية، تُحاسِب من حوّل الغذاء إلى أداة قمع للنفوس البريئة؟! فها هو العالم كله يرى ويسمع، فأين الدول المحاذية لغزة والتي تدّعي الإسلام! لمَ تصمّ السمع وتغضّ النظر ولمْ تحرّك ساكنًا، وكأنّ ما يجري ليس كافيًا لاهتزاز الضمير العربي الإنساني!

فو الله، إنّ وضع غزة اليوم أمام القانون الدولي، إنما هي جريمة بحجم صمت العالم سيما دول الأعراب المطبّعة.

وإنّ ما تتعرّض له غزة من حصار خانق، لم يكن عارضًا من عوارض الحرب، بل سياسة مدروسة ممنهجة متعمَّدة، ليرسّخ العدو الصهيوني المتغطرس من خلالها، سياسته القمعية الجديدة التي يُفهَم منها: بأنّ التجويع المتعمَّد، هو ليس للقتل وحسب، إنما أداة خنق، ووسيلة إذلال، وأسلوب لكسر الإرادات.

إننا وإن كنا نعرف بإنّ سياسة التجويع في غزة، إنما هو امتداد لنهجٍ يستهدف البنية النفسية والمعنوية للناس، لا أجسادهم فقط، يُجُوَّعُ الطفل لينهار، وتجُوَّعُ الأم لتنكسِر، ويجُوَّعُ الشيخ، ليموت واقفًا في طابور قبل استلام حصته!. لكننا لا نسمح أن تُختزل القضية في أرقام الشهداء، بل لنتذكر أن خلف كل رقم قلب، وخلف كل قلب قصة، وخلف كل قصة وجعًا يجب أن يُروى. فضحايا الجوع، مشاهدَ تقشعرّ لها الأبدان، وينزف لها القلب وجعًا.

لم تكن المجازر وحدها شاهدة على فضاعة جريمة العدوان الصهيوني، بل صارت المجاعة، بما تحمله من بؤس واحتضار بطيء، عنوانًا مروّعًا لمرحلة جديدة من الإبادة، قد يُطبّق على شعوب أخرى من العالم.

٣-صفر-١٤٤٧هــ
٢٩-تموز-٢٠٢٥م