النزعة التجريبية الغربية والتأسيس للإلحاد المعاصر/الجزء الأول)..!
د. محمد هاشم البطاط ||

على الرغم من الاهمية الكبيرة التي يحظى بها المنهج التجريبي بوصفه أحد المناهج العلمية المهمة التي يُعتمد عليها في الوصول الى الحقائق والنظريات، الا ان طبيعة التعامل مع هذا المنهج في العالم الغربي، وما أفضى اليه من تطورات خطيرة، جعلت من الضرورة تسليط الضوء والتحليل على هذا المنهج لبيان الكيفية التي تم عبرها تقزيم مفهوم العلم، بما يتضمنه من مناهج مختلفة، داخل المنهج التجريبي وحده،
حتى صارت كلمة “العلم” تستخدم في الغرب للدلالة حصراً على هذا المنهج واستبعاد المناهج الاخرى، من هنا سنسعى الى نقد مفهوم العِلموية في الفكر الغربي، وتوضيح الكيفية التي تم فيها تحويل المنهج التجريبي الى تعبير أحادي عن “العلم” الامر الذي أدى الى جعله ينتج صيغة معاصرة من “الإلحاد”، والذي صرنا نشهد وجود مؤسسات ووجهات عديدة تهدف الى الترويج له من خلال منصات التواصل الاجتماعي أو غيرها.
الكنيسة والمنهج التجريبي:
مثّل صعود سلطة الكنيسة في الغرب خلال ما يُعرف بالعصور المظلمة هيمنةً واضحة للفكر الرجعي الظلامي الذي يحارب العلوم وتطورها ونموها بما يخدم الرؤية الخاصة للكنيسة ورجال الدين المسيحيين، اذ كانت محاكم التفتيش الكنسية تقتل وتعذب كل من تراه يخالفها في العقيدة او يسعى لتقديم رؤية علمية مغايرة لما تعتقده إتجاه الكثير من القضايا العلمية،
فالأرض هي مركز الكون، وكل الكواكب بما فيها الشمس تدور حولها، وان المنهج التجريبي القائم على الحس والملاحظة والتجريب مرفوض لصالح قوالب فكرية مغلوطة آمنت بها الكنيسة ومارست تجهيل الناس من خلالها، هذا الخراب الفكري والعلمي الذي فعلته الكنيسة في اوربا قاد لردة فعل متعددة الجوانب والاتجاهات، كان للعلماء الغربيين دور مهم فيها،
إذ سعى العلماء الى تثبيت المنهج التجريبي لسحب البساط العلمي من تحت اقدام بابا الكنيسة ورجاله، وكان دور فرانسيس بيكون كبيراً في التنظير للتجريب والملاحظة كمنهجٍ علمي، كما أن الارض لم تعد مركزاً للكون كما أرادت الكنيسة، وإنما اكتشف كوبرنيكوس ،وثبَته غاليلو من بعده، أن الشمس هي مركز الكون،
والأرض ليست إلا كوكباً صغيراً يمارس دوراً هامشياً مع كواكب أخرى، ولم تعد غيبيات الكنيسة التجهيلية والمخادعة للعقل هي المعبرة عن العلم، بل تمت اعادة موضعة المناهج العلمية لتكون العلوية للرؤية الحسية التجريبية المتعاملة مع القضايا المادية وحدها، وعلى الرغم من ان المنهج التجريبي لم يكن وليداً للفكر الحداثي/النهضوي لمرحلة ما بعد العصور المظلمة في اوربا،
فقد كان معمولاً به ومعروفاً عند الحضارات السابقة في العراق ومصر، وكذلك عند الحضارة اليونانية وتراثها العلمي الذي قَبِل بالتجريب في القضايا المادية الحسية للوصول الى الحقيقة، فضلاً عن الحضارة الاسلامية التي كانت تشهد تطوراً علمياً كبيراً، واهتمت اهتماماً بالغاً بالمناهج العلمية المتعددة العقلية والتجريبية على حدٍ سواء،
فعلى الرغم من ذلك، تم تغليب المنهج التجريبي في الغرب، ومنحه صفة السمو والعلو على سائر المناهج العلمية الاخرى كالمنهج الاستنباطي العقلي وغيره.
ثم جرى التأسيس لفكرة مخادعة هي انه كلما اعتمدنا على المنهج التجريبي كلما صرنا أكثر علمية وابتعدنا عن الخرافة والجهل والامور غير العلمية، تم هذا عبر مغالطة تسويق ان “المنهج التجريبي” يساوي العلم، اذن كل ما ليس بتجريبي فهو ليس بعلمي، اذن هو خرافة او جهالة!!
المحور الثاني: مفهوم العِلموية:
استمر التركيز الغربي على المنهج التجريبي بوصفه التعبير الاحادي للــ “العلم”، حتى نصل الى القرن التاسع عشر الذي ظهرت فيه المدرسة الوضعية ورائدها “اوغست كونت”، اذ تعتقد هذه المدرسة ان المراحل التي مرت بها البشرية ثلاث:
1- المرحلة اللاهوتية الطفولية التي كان فيها العقل البشري يسعى الى إضفاء صفة أسطورية على الموجودات جاعلةً من بعضها آلهة، كالبحر والشمس وغيرها، أي مرحلة خلق الاساطير والاوهام برؤية مادية.
2- المرحلة الميتافيزيقية التجريدية، ةتم فيها تحويل الايمان من زاوية مادية الى زاوية غيبية (ميتافيزيقية)، اذ انتقل الايمان من الماديات الى الدين الغيبي غير المحسوس.
3- المرحلة العلمية وهي المرحلة الاخيرة التي يعلو فيها صوت العلم، ويؤمن الناس فيها بالعلم والاكتشافات العلمية عبر المنهج التجريبي الحسي المادي.
هنا تأسس أخطر فخ لإيقاع البشرية فيه من خلال تأكيد مغالطة ان المنهج التجريبي هو التعبير الوحيد عن العلم دون غيره، وان الأديان والإيمان بالغيب تنتمي الى المرحلة (ما قبل العلمية)، ومن ثم يكون الايمان بالعلم تخلياً عن الدين والغيب!!




