الأحد - 21 يونيو 2026

أمة تُذبح وتعدّ الجثث ثم تسأل ببرود: من التالي..؟!

منذ 11 شهر
الأحد - 21 يونيو 2026

كندي الزهيري ||

 

 

في هذا العالم الذي لا يحترم إلا الأقوياء، ما الذي تبقّى من أمةٍ يُذبح أبناؤها صباحَ مساء، وتجلس على ركامهم لا لتثأر، بل لتُحصي عدد الضحايا، وتحلل كيف ماتوا، وتناقش أدوات القتل وتوقيت الجريمة، ثم تنظر بخوفٍ أبله وتسأل: من سيكون القادم؟
إنها ليست نكتة سوداء ولا مجازًا مبالغًا فيه، بل هي مرآة لواقعنا العربي والإسلامي، حيثُ تحوّلت الكرامة إلى أرشيف، والشهادة إلى خبر عاجل، والمقاومة إلى تهمة، والخيانة إلى وجهة نظر.

القاتل معروفٌ بالاسم والصورة والتاريخ، لا يتوارى ولا يتخفّى، بل يظهر بربطة عنق أنيقة على شاشاتنا، يوقّع اتفاقيات السلام، ويقيم القواعد العسكرية، ويعقد المؤتمرات من فوق أنقاض مدننا، ويبتسم أمام الكاميرات بينما الدم لم يجف بعد عن يديه، ومع ذلك ما زالت هذه الأمة تسأله عن رأيه، وتُجلسه على موائد القرار، وتستفتيه في مستقبلها.
لماذا تتعامى الأمة عن القاتل؟ لماذا صار المجرم صديقًا، والمحتل حليفًا، والمطبع قائدًا؟ لأن النُخب خانت، والساسة باعوا، والإعلام ارتدّ، والمثقفون جبنوا، فصار الذي يصرخ ضد الذبح هو المتهم، والذي يُبرّر الجريمة هو المحلل الحصيف.

هكذا تحوّل الموت إلى فقرة إخبارية، والاغتيال إلى خلل أمني، والمجزرة إلى خلاف سياسي، حتى لم يعد فينا من يغضب، أو على الأقل من يشعر بالخجل من صمته.
لقد استبدلنا الفعل بالتحليل، واستبدلنا الردّ بالتأمل، واستبدلنا الغضب بالندوة، فإذا سقطت مدينة، قلنا: علينا أن نفهم التوازنات، وإذا اغتيل قائد، قلنا: الردّ يجب أن يكون محسوبًا، وإذا صرخت الأرض، قلنا: صوتها غير واضح بعد، ونحن بحاجة إلى تحليلٍ أعمق.

السؤال المهين: من هو القادم؟

فهذا ليس سؤال الأحرار، بل سؤال العبيد الذين ينتظرون دورهم على مائدة الذبح، بلا أدنى محاولة لكسر السكين أو كفّ يد الجزار، إنه سؤال من تعوّد على الانكسار، وأدمن الجلوس في الزاوية منتظرًا نهاية النشيد الوطني لجنازته القادمة.

الشعوب التي لا تثأر، تُباد، والكرامة التي لا يُدافع عنها تموت، والأرض التي لا يحميها أهلها تتحوّل إلى مستعمرة، فلا حياة لمن لا يغضب، ولا مستقبل لمن لا يرفض، ولا سيادة لشعب ينتظر الخلاص من الخارج.

المعادلة واضحة، لا تقبل التجميل ولا التسكين: إما مقاومة… أو زوال، إما أن نكون نحن القادم الذي يكسر الحلقة، أو نكون مجرد أرقام على لائحة انتظار الذبح.
فالسؤال لم يعد: من الضحية القادمة؟

بل هل بقي في هذه الأمة مَن يرفض أن يكون ضحية؟