الجمعة - 12 يونيو 2026

(الإمام السجاد (ع) وإذكاء الثورة الحسينية)..!

منذ 11 شهر
الجمعة - 12 يونيو 2026

د. محمد هاشم البطاط ||

 

 

ريما يصح القول أن أيّ حدثٍ تأريخي، شكّل منعطفاً مفصلياً في المجتمع الذي حدث فيه، يرتبط إرتباطاً وثيقاً بالآليات التي تم الإرتكان إليها في عملية إذكائه لدى العقل الجمعي للمجتمع المعايش للحظة وقوع الحدث،

أو للاجيال اللاحقة التي يُراد لها أن تتأثر بالمضامين الفكرية والمسارات السلوكية التي تضمّنها الحدث، ولهذا نلاحظ أن الأحداث والوقائع المفصلية في التاريخ الإنساني لم تحصل على سمة (الإنعطافة أو المفصلية) لولا وجود إشتغال كبير في عملية نشر فكرها ومجرياتها للآخرين.

وتمثل واقعة الطف، بوصفها خروجاً لطلب الإصلاح في المجتمع الاسلامي، إنموذجاً بارزاً للعمل والاشتغال الذي قام به من شهدوا كربلاء، وحضروا مأساتها، وعاينوا لوعات أهل بيت النبوة بين القتل والسبي والتشريد، وقد كانت أبرز شخصيتين عملتا على تعميق وإذكاء قيم عاشوراء، وبيان مجرياتها وآلامها للمتلقين الذين لم يعاينوا تفاصليها، هما الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع)، والحوراء زينب بنت علي (ع)،

إذ على الرغم من أن الماكنة الايديولوجية لبني أمية عملت عملها في تشويه الحقائق وتزييف الأمور لدى المجتمع الاسلامي، حتى تصور بعض الشاميين أن ركب سبايا أهل البيت هم من غير المسلمين، كالروم أو غيرهم، إلا أن ما قام به الإمام السجاد والحوراء زينب أعطى لعاشوراء زخمها الفكري والعاطفي والإعلامي المطلوب، وبشكل فاعل، مما أسهم في إيجاد الانعطافة أو المفصلية التي أشرنا اليها أعلاه.

نستهدف في هذا المقال الاشارة الى الإمام السجاد (ع) في إطار سعيه الى إذكاء الثورة الحسينية داخل العقل الجمعي الاسلامي في الكوفة أو الشام أو المدينة، إذ عمل عبر مجموعة من الاليات الفاعلة في رفع منسوب التفاعل والصحوة داخل الأمة الاسلامية السائرة صوب التجهيل والخضوع واللامبالاة، ومن أبرز هذه الاليات:

1- توضيح مكانة العترة في القاموس الاسلامي الذي عمل الأمويون على تقليل هذه المكانة وتسطيحها لدى عامة الناس، فسعى الإمام الى بيان من هم؟ وما هي علاقتهم بالنبي الأكرم (ص)؟ وما هي منزلتهم في ضوء آيات الكتاب الكريم وأحاديث السيرة النبوية.

2- بيان الأسباب الحقيقية التي أسهمت في خروج الإمام الحسين (ع)، وقيامه بثورته التصحيحية من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاسلام بعد أن بلغت الامور في ظل الحكم الأموي مبلغاً خطيراً، ولاسيما في ظل خلافة يزيد بن معاوية.

3- شرح مآسي كربلاء ومحنها لدى من لم يحضروا الواقعة الأليمة، ولم يسمعوا بواعيتها الفجيعة، وقد كان (ع) يستغل حتى تقديم القصابِ الماءَ للشاة قبل ذبحها لمقارنتها بالذبيح العطشان (ع)؛ من أجل الاشارة الى مديات الجرم المرتكب من قبل السلطة السياسية بحق الإمام الحسين ومن معه.

4- العمل على تثقيف المجتمع الاسلامي في طبيعة العلاقات الاجتماعية، وكذلك السياسية، عبر شرح الحقوق والواجبات المنوطة بكل طرفٍ من اطراف العلاقة، وتقف الرسالة المشهورة بـــــ”رسالة الحقوق” على رأس الاشتغال الذي يتضمن مساراً متكاملاً لكل حق، وما يقابله من واجب، وهذا الأمر، أعني ترسيم معادلة الحقوق والواجبات إحدى العناصر المشكلة للمشروع الحسيني الذي كانت معالمه تقوم على نصرة الحق الذي لا يُعمل به.

5- إعتماد أستراتيجية “الدعاء” في إعادة ضبط البوصلة العقائدية والفقهية والاخلاقية والتربوية، بل وحتى السياسية، لدى الامة الاسلامية، وضخ المضامين الكثيرة داخل الادعية في ما يُعرف بـــــ”الصحيفة السجادية” التي تحوي كماً كبيراً من الأدعية المختلفة المضامين والأهداف والغايات، وهي إكمال للثورة الحسينية ولكن بشكل آخر، إذ أن مشروع أهل البيت (ع) ينطلق من واحدية الهدف وتعدد الأدوار وتنوعها.

هذه الآليات وغيرها، ارتكن اليها الامام (ع) من أجل أن يُذكي معالم الحِراك التثويري الحسيني في جسد الآمة الاسلامية المتهاوي بأجندات التحريف والتزييف التي عملت عليها السلطة الأموية، وهذا يكشف أحد الاسباب الكامنة وراء شهادة الامام (ع) على يدها، إذ أدرك الأمويون خطورة مشروع الامام السجاد (ع) في إعتماد آليات مباشرة وغير مباشرة من أجل ضخ المعطى الحسيني داخل المجتمع الاسلامي.