آه يا زينب..!
د. أحمد الخاقاني ||

عصر هذا اليوم، كنتُ في طريقي لإنجاز أمرٍ خاص وأتنقّل بين جموع الناس والضجيج يعلو من حولي، لكن داخلي كان يهمس بأسئلة أخرى… فجأة خطر لي: كيف كان حال بنات الرسالة، وهنَّ يُسقن سبايا نحو الشام؟
كيف واجهنَ أعين الشامتين من أتباع يزيد، وهنّ عفيفات، طاهرات، مخدرات، متقيات، في موكبٍ يقوده خونة الدين، وعبدة المال، الحاقدون على الإمامة وممثّلها الإلهي المعصوم؟
كنت أستمع للقصائد الحسينية المنبعثة من مكبرات الصوت في الطرقات، وفي غمرة حواري الصامت مع نفسي، مرَّ بجانبي رجل غريب، نادى بصوت متهدج حزين:
“آه يا زينب”
كأنّ صوته اخترق جدران قلبي، فتدفقت الدموع من غير إذن، وكأن النداء أيقظ ألماً دفيناً، ورسم في داخلي مشهد السبي من جديد، بما يحمله من وجع ما زال يتكرر.
مشيتُ خطوات طويلة، ثم التفتُّ وراءه، وقلت في نفسي:من أين عرف هذا الرجل ما أفكر فيه؟
هل كان يقرأ وجهي، أم يسمع صوت قلبي؟ أم هو منسجم مع القصائد في الطريق ،هل أعود لأسأله؟
لكنه ابتعد… وربما كان صدى قصيدة يسمعها، أو قلباً اشتعل بحزن مماثل، أو روحاً تواطأت مع روحي على النداء ذاته…
ورحتُ أردد داخلي: وقد، وقد، وقد…
لكنِّي لم أجد تفسيراً يشفي ذهولي.
ما وجدتُه بعد ذلك، أنَّ مصاب آل البيت، لا يزال يُسبى كل يوم بأيدينا، حين نخون وصاياهم وننكص عن طريقهم.
سُبِيَ الحسين من جديد:
حين تشتّتنا، وتنازعنا، وتاهت البوصلة حتى في قضايا التشيع الكبرى.
حين لم نَصُن حرمة الأوطان، ولا المال العام، ولا قداسة المسؤولية.
حين تخلّينا عن المساجد، أو جعلناها خاضعة للعلاقات والانتماءات.
حين تسرّب الحقد إلى بيوتنا وعوائلنا الكريمة، وصار الكذب والافتراء لغة مألوفة.
حين استشرى الفساد في دوائر الدولة، فصار الموظف العام مهملاً أو مرتشياً.
حين استبدلنا التقوى بالشكل، والإخلاص بالشعارات.
وما هذه إلا وجوه من وجوه السبي…
سبيٌ لا للنساء فقط، بل لقيم الشريعة، ولروح الرسالة، ولسيادة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله.
لقد أفقدنا هذا السبي المتكرّر حقّ الشريعة في الحاكميّة، لا على مستوى الدولة فحسب، بل حتى على مستوى الفرد.
وإنّ من أصدق سبل النصرة اليوم، هو أن نُقيم الدين في ذواتنا، أن نكون نحن نسخةً حيةً من مشروع الإصلاح الذي خرج لأجله الحسين، ونادت به زينب.
فما لم يتغيّر داخلنا، لن يتغيّر الخارج.
وما لم يكن الحزن الحسيني باباً للتقوى، سيبقى مجرد صوت في الهواء…لكن، حين يتحوّل إلى أذان يقظة، يبدأ التغيير الحقيقي.
بألمٍ وحنينٍ إلى الصدق.




