عام دراسي جديد.. طريق مشترك بين المعاناة والأمل..!
محمد صالح حاتم ||

يبدأ عام دراسي جديد، وتحمل أيامه الأولى مشاعر متباينة في قلوب اليمنيين، بين أمل يتجدد مع كل صباح، وقلق يتسلل من بين تفاصيل المعاناة المستمرة. ومع ذلك، لا يزال التعليم في اليمن يقف شامخًا، بفضل الله أولًا، ثم بفضل معلمين ومعلمات آمنوا برسالتهم، واختاروا أن يكونوا شموعًا تضيء درب الأجيال، وسط ظلام الظروف الصعبة.
الواقع التعليمي لا يخفى على أحد: رواتب منقطعة منذ سنوات بسبب العدوان والحصار،و غياب شبه تام للمناهج ، ومدارس تنهشها عوامل الإهمال والتقادم. لكن ما زال هناك من ينهض كل صباح بمعنويات عالية، يدخل فصله بابتسامة، وطالب يفتح دفتره الممزق ليسطر فيه حلمه، وأب يحفّز أبناءه على أن الغد سيكون أجمل، رغم قسوة الحاضر.
في وطن يعاني، يصبح التعليم طوق نجاة. فهو ليس ترفا يمكن الاستغناء عنه، بل هو حقٌ أصيل، واستثمار استراتيجي في بقاء المجتمع ونهضته. وكل دعم يُوجّه للتعليم، هو في جوهره دعمٌ لمستقبل الدولة واستقرارها.
من المشاهد التي لا تُنسى، صمود آلاف المعلمين الذين واصلوا أداء واجبهم لعشر سنوات أو يزيد دون أن يستلموا راتبا منتظما. ذلك الصمود ليس مجرد موقف إنساني، بل بطولة صامتة تستحق أن تُوثق وتُروى للأجيال. ومع بداية هذا العام، جاءت الآلية الاستثنائية لدفع المرتبات التي تبنتها حكومة التغيير والبناء لصرف نصف راتب شهريا للمعلمين، قد لا تكون مثالية، وكان الأجدر أن يُصرف راتب المعلم كاملًا وبانتظام، أسوة بالفئة الأولى، لكنها تظل خطوة أولى في الطريق الصحيح.
وفي هذا السياق، يجب أن ندرك أن المعلم ليس موظفا عاديا، بل هو صانع الأمل وباني الإنسان والمستقبل. وقد أدركت دول مثل فنلندا وسنغافورة أن بوابة النهوض تبدأ من بوابة احترام المعلم وتقديره، ومنحه كافة الحقوق التي تجعله مرتاحا ومبدعا والنتيجة: تعليم متطور، وإنسان منتج، ووطن مزدهر. لذا فإن رفع رواتب المعلمين، وتوفير بيئة عمل محفزة، وتمكينهم من التدريب والتطوير المستمر، ليست مطالب فئوية، بل ضرورة وطنية، وخطوة لا بد منها لإنقاذ التعليم.
من أبرز معوّقات بداية كل عام دراسي، تأخر طباعة الكتاب المدرسي. وهذا ليس مجرد خلل إداري، بل عامل أساسي في تعثر العملية التعليمية. الطالب عندما لا يجد كتابه، يشعر بالخسارة من أول يوم. فاحترام عقول الطلاب يبدأ من توفير الكتاب المدرسي في وقته، وبجودة مناسبة.
ولا يكتمل أي إصلاح تعليمي دون تقييم واقعي ومنهجي. فليس كافيا أن نعلن انتهاء العام الدراسي، بل يجب أن نسأل بصدق: ماذا تعلّم الطالب فعلًا؟ ما المعارف التي اكتسبها؟ ما المهارات التي تمكّن منها؟ هل المناهج مناسبة؟ ما نسبة التسرب؟ ما مدى التزام المعلمين؟ وكيف كان مستوى الإدارة التعليمية؟
قد لا يكون هذا العام الدراسي مثاليا، لكنّه يمكن أن يكون بداية مختلفة، إذا تحمّل كل طرف مسؤوليته: الدولة في ترتيب أولوياتها، والمجتمع في تقديم دعمه، والمعلم في صموده وجهده، والطالب في رغبته بالتعلم.
فمستقبل اليمن يبدأ من المدرسة… ومن احترام من يعلّم فيها.




