محرم الإنتصار.. نداء الحسين (ع) يتجدد في زماننا..!
كندي الزهيري ||

{أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} الحج / آية ٣٩…
شهد العالم صورة من صور كربلاء ، كونت لحظة فارقة ستُحفر في ذاكرة التاريخ: لحظة إنتصار الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الكيان الصهيوني وداعمية من المستكبرين والمرافقين ، في مواجهة غير تقليدية كسرت هيبة ما كان يُوصف بأعتى ترسانة عسكرية في المنطقة ، كما يروج له في الاعلام خصوصًا الاعراب…هذا النصر، لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان إعلانًا صريحًا عن تحوّل جوهري في موازين القوى الإقليمية والعالمية.
جاء هذا الإنتصار من بوابات شهر محرم، شهر الثورة والمظلومية، ليضفي عليه بعدًا رمزيًا عميقًا، ويربطه وجدانياً بذكرى ثورة الإمام الحسين عليه السلام، التي شكلت على مر العصور الرافعة الروحية والسياسية وثورية ، لكل حركات التحرر والمقاومة في العالم .
اليوم إيران… من كربلاء الوعي إلى ميدان النصر، منذ انتصار ثورتها عام 1979، وضعت إيران لنفسها هدفًا استراتيجيًا: نصرة المستضعفين ومواجهة الاستكبار العالمي،
لكن ما تحقق في هذه الأيام ، كان أكثر من مجرد وفاء لهذا الشعار؛ لقد كان تتويجًا لأربعة عقود من الصبر، والصمود، وبناء القدرات، والتخطيط البعيد المدى، حتى جاءت اللحظة التي تحوّلت فيها التهديدات إلى فرص، والحصار إلى حافز، والمظلومية إلى مشروع نصر…
اليوم وأمام العالم ، أسقطت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، في هذا الصراع ، لم تكن طائرات “إف-35” ولا القبة الحديدية قادرة على منع الصواريخ الإيرانية من دكّ العمق الصهيوني الإرهابي …
اليوم مراكز القرار في تل أبيب لم تصدق أن المدن باتت مكشوفة، وأن عمق “الكيان الإرهابي ” أصبح في مرمى المئات من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة التي لا تُرصد ، وللمرة الأولى منذ عقود، وُضعت المؤسسة الأمنية الصهيونية وداعميها ،
في موضع العاجز، المتردد، المهزوم نفسيًا، بل والمنقسم داخليًا، أن هذا الإنتصار يمثل صدمة في الغرب… وذهول في الداخل العربي، في واشنطن ولندن وباريس، لم يكن المشهد أقل اضطرابًا، ما حدث لم يكن متوقعًا، حتى من مراكز الدراسات الاستراتيجية الكبرى ،
لكن متوقع من قبل” شعوب كربلاء الخالدة “، فالغرب الذي ظنّ أن إيران منهكة، ومقاومتها مشتتة، استيقظ على حقيقة أن محور كربلاء المقاومة بات قوة حقيقية، تتحدث بلغة الردع، لا التوسّل ، أما على المستوى العربي، فقد وقعت الصدمة على محور “التطبيع” كالصاعقة،
كيف لكيانٍ قيل إنه “يحمي الخليج” أن يُعجزه ردع طهران؟، وأي جدوى من كل تلك المعاهدات والمليارات التي صُرفت، إن لم يستطع الكيان حماية نفسه، فضلًا عن حماية غيره؟… اليوم المقاومة في أبهى تجلياتها،
محور المقاومة – الممتد من طهران إلى غزة، ومن بيروت إلى صنعاء وبغداد و أحرار دمشق الذين ننتظر دورهم المحوري – لم يعد عنوانًا رمزيًا أو سردية إعلامية، بل بات مشروعًا واضح المعالم، له خططه، وقياداته، وأدواته.
وما جرى ليس نهاية الطريق، بل بدايته .
إن هذه الحرب كشفت عن تطور مذهل في التكتيك العسكري، وفي الوعي السياسي، وفي تماسك جبهة المقاومة رغم الضغوط والتحديات، بل إن الجماهير العربية – رغم أنظمتها – بدأت تتحرك، وتنظر إلى إيران لا كتهديد، بل كحليف موضوعي في معركة التحرر من الهيمنة. أن نداء محرم: لا صلح مع المستكبرين ، هذا الانتصار، الآتي في محرم، أعاد رسم خريطة الصراع في المنطقة،
فكما كان الحسين (ع) رمزًا للكرامة أمام الظلم، فإن الجمهورية الإسلامية اليوم تمثل امتدادًا عصريًا لتلك المدرسة، التي ترفض الصلح مع الظالم، وفي المقابل، فإن كل أنظمة التخاذل والتطبيع والانبطاح، وُضعت في الزاوية، وسُحب البساط من تحتها، فإذا كانت الصهيونية لا تحمي نفسها، فكيف لها أن تحميهم؟.
اليوم أصبح لحظة تحوّل… لا رجوع بعدها …
إن ما جرى ليس نهاية كيان، ولا بداية حرب فحسب، بل هو لحظة كونية فريدة، أعلن فيها المستضعفون أنهم حاضرون، وأن زمن السيطرة الأمريكية–الصهيونية المطلقة قد ولى، وإذا كانت كربلاء الأولى كتبت بالدم، فإن كربلاء العصر هي امتداد للأولى ، كتبت بالصواريخ، والعقول، والإرادة. أن هذا النصر هو بداية الفتح ، وبداية عودة البوصلة إلى مسارها الصحيح ، أنه زلزال قوي يضرب عقول ونفوس الشعوب الإسلامية والعربية والعالمية.




