الثلاثاء - 09 يونيو 2026

تدريب منتهي الصلاحية…لماذا لا يزال العراق يعتمد نظاماً عسكرياً بريطانياً تم إلغاؤه؟!

منذ سنة واحدة
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

عبد الرحمن المالكي ||

 

 

رغم تغير العقائد العسكرية وتطور نظريات التدريب في جيوش العالم، لا يزال العراق يعتمد نموذجاً قديماً في تدريب قواته المسلحة، يعود جذره إلى الاستعمار البريطاني، ويُعرف بنظام “التدريب القاسي على الطاعة والانضباط الأعمى”.

المفارقة أن هذا النظام أُلغي منذ عقود حتى في بريطانيا، بعد ثبوت فشله وعدم ملاءمته لروح الجيوش الحديثة.

فما سبب استمرار العراق في تبنيه؟ وما خلفية هذا النموذج أصلًا؟

ان النظام المعمول به في العراق هو في جوهره امتداد للطريقة التي استخدمها البريطانيون لتدريب الجنود الهنود في الجيش الاستعماري البريطاني.

لم يكن الهدف من هذا النظام بناء جيوش وطنية محترفة، بل خلق أدوات بشرية مطيعة، صلبة التحمل، فاقدة للتفكير المستقل، يُستخدمون في قمع الشعوب واحتلال أراضيهم ونهب ثرواتهم.

في ذلك السياق، كان الجنود مجرد منفذين، لا يُسمح لهم بمناقشة الأوامر، بل يُكافأون فقط على الطاعة العمياء والقدرة على تحمل الإهانة الجسدية والنفسية.

وهكذا وُلد نظام يُشبه ما يمكن وصفه بـ”تدريب العبيد”، لا العسكريين المحترفين.

بعد الحرب العالمية الثانية، أدركت بريطانيا نفسها أن هذا النموذج لم يعد صالحاً، بل مضراً، خاصة في ظل التغييرات الجذرية في مفاهيم القيادة والسيطرة، حيث باتت الجيوش الحديثة تعتمد على المرونة، التفكير التحليلي، والقيادة التشاركية.

وهكذا، بدأ الجيش البريطاني منذ ستينات القرن الماضي بتفكيك هذا الأسلوب تدريجياً.

مع ذلك كان الطاغية صدام يستخدم هذا البرنامج التدريبي لما يلائم سياسته الدكتاتورية في عدم عصيان الأوامر والطاعة العمياء القيادة.

لكن الغريب أن العراق، الذي كان خاضعاً للهيمنة البريطانية، ورث هذا النموذج واحتفظ به كما هو، بل وأدمجه في مؤسساته العسكرية كـ”منهج تدريبي رسمي”، في تجاهل تام للتغيرات العالمية.

لماذا يشكل هذا المنهج خطراً على المؤسسة العسكرية؟

1. إلغاء التفكير المستقل …الجنود في هذا النظام يُدرَّبون على تنفيذ الأوامر دون فهمها أو نقدها، ما يجعلهم عاجزين في المواقف الطارئة أو غير التقليدية.

2. تعزيز ثقافة الإهانة والبطش… يُشجع هذا النموذج على إذلال الجندي تحت غطاء “بناء الصبر”، او نفذ ثم ناقش مما يولد دوامة عنف داخلي قابلة للانفجار.

3. ضعف الكفاءة القتالية … جندي بلا وعي عسكري ولا روح مبادرة، يتحول إلى عبء في الميدان.

4. فقدان الثقة بين القادة والجنود: حين يُعامل الجندي كآلة، لا يمكن بناء منظومة عسكرية متماسكة.

ما البديل؟

الجيوش الحديثة (كالجيش الألماني أو الأمريكي أو الإيراني) تعتمد مناهج قائمة على:

• التدريب الذهني والنفسي إلى جانب البدني من حيث القاعات الرياضية وقاعات الدروس المخصصة باحدث الوسائل التعليمية.

• تعليم الجندي لماذا يقاتل، وليس فقط كيف يقاتل.

• بناء مهارات القيادة حتى في المستويات الدنيا

• الاحترام المتبادل بين الجندي والقائد

بقاء العراق متمسكاً بنظام تدريب عسكري وُضع أصلاً لخدمة أهداف استعمارية هو أحد أكبر الإخفاقات في إصلاح المؤسسة العسكرية العراقية.

وإذا ما أراد العراق جيشاً وطنياً قوياً، فعليه أن يقطع هذا الإرث المتعفن، ويؤسس لنظام تدريبي يعكس قيم الاستقلال، الاحتراف، والتفكير الوطني، لا الطاعة العمياء لقواعد لم تعد تُستخدم حتى في بلادها الأصلية.