الرمزية: الوجه الآخر من التقيّة.. انقذوا أسماكنا من الغرق..!
سالم رحيم عبد الحسن ||
21/5/2025

في مقاربة تميل إلى الفلسفة دون أن تغادر أرض الواقع، يحاول هذا المقال تسليط الضوء على الرمزية كأداة ثقافية وفكرية تقف على الضفة المقابلة — أو ربما الموازية — للتقيّة، ذلك المبدأ العقائدي الذي تبنّاه الشيعة الإمامية، والذي كثيرًا ما أُسيء فهمه أو أُخرج عن سياقه التاريخي والوجودي.
الرمزية ليست مجرد أسلوب فني أو تعبير أدبي، بل هي في جوهرها وسيلة للبقاء، حيلة فكرية تجعل المعنى يتنفس تحت وطأة القمع، ومنفذًا للحرية في زمن يُجرَّم فيه الكلام وتُصادَر فيه القناعات. إنها تواطؤ راقٍ بين المرسل والمتلقي: تُشفّر ولا تُفصح، تلمّح ولا تُصرّح، وتترك للوعي مهمة استكمال المعنى الذي يخشى النص البوح به.
أما التقيّة، فهي — في بُعدها العقائدي — موقف دفاعي مشروع، أقرّه العقل قبل أن تُقرّه النصوص. يقول الإمام جعفر الصادق: “التقيّة ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقيّة له”، وهي بذلك لا تنفصل عن مفهوم الحذر الأخلاقي، بل تمثل ذروة الوعي بميزان المصلحة والضرر في ظرف استثنائي.
في ظل النظام الدكتاتوري البائد – صدام حسين – كان العراق مختنقًا بالمحظورات، حيث تحوّل التعبير عن الرأي إلى مخاطرة وجودية. وكان الشيعي، والمثقف،والمتدين واليساري، والوطني الحقيقي مطالبًا بإظهار ولاءٍ مطلق لسلطة لا تعترف بالاختلاف. هنا، كانت الرمزية أداته للتمرّد الصامت، وكانت التقيّة وسيلته للبقاء.لذا جنح المثقف عملية ترميز منتجه الابداعي خصوصافي فضاء الشعر الحديث، تتحوّل الرمزية إلى أداة تواصل مشفّرة، لا ليُضلّل بها الشاعر قارئه، بل ليقوده نحو طبقات أعمق من الوعي؛ تمامًا كما تفعل التقيّة حين تخفي ظاهر القول لتحفظ جوهره. في هذا السياق، يُعد ديوان الشاعر رعد زامل “أنقذوا أسماكنا من الغرق” نموذجًا للكتابة الرمزية التي تُخفي تحت جلد الصورة أزمنة من الألم والاحتجاج، في زمن كانت فيه “فئة الموت” أقل عقوبة قد يواجهها الإنسان.
لقد حاول رعد زامل أن يجعل من الرمز منقذًا للأسماك من الغرق، في مفارقة لاذعة للهروب من حتمية الأقدار المزيفة؛ فالسمك في بيئته المائية مهدّد بالغرق، والمفارقة هنا تكشف عن عُمق الأزمة. وربما يكون ثمة معنى مستتر أيضًا: فالمعارضة لنظام البعث في مسطحات الأهوار — أو كما أحب أن أسميها “المستنقعات”، رغم أن زميلي الكبير جمعة المالكي اعترض مرة قائلًا إن “المسطحات” أنسب اصطلاحًا ومعنًى — تلك المعارضة كانت تحاول النجاة من طوفان القمع. نعود إلى رعد زامل، الذي جمع “أسماكنا” ولم يفردها، دلالةً على العموم، وعلى صرخةٍ جمعية تسعى إلى الخلاص.
أما شعر مظفر النواب، فيعبّر عن غضبٍ لا يمكن الإفصاح عنه مباشرة. قصيدته “القدس عروس عروبتكم” مثالٌ فاضحٌ لكيفية التحايل على القمع، إذ يُمرّر خطابه النقدي بلغةٍ شديدة الترميز، تصل إلى المتلقي دون أن تمنح الجلاد دليلًا مباشرًا على الإدانة.
وفي روايات فؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان، تتجلى شخصيات مهزوزة تحاول النجاة في مدينة خانقة. المدينة ترمز إلى الوطن/السجن، بينما يقف الصمت أو الانسحاب من الحدث كتقيّة ثقافية لأرواح تخشى الانكسار.
أما دينيًا، فحادثة الإمام موسى الكاظم في سجون العباسيين، وما أوصى به أتباعه من كتمان، تشكّل نموذجًا تاريخيًا للتقيّة كفعل دفاعي يحفظ الذات العقائدية من الفناء.
إذا كانت التقيّة قد وُلدت من رحم الاضطهاد السياسي والمذهبي، فإن الرمزية نشأت في فضاء أوسع، كأداة بيد المثقف في مواجهة شتى أشكال القهر: من الرقابة السياسية إلى الاستلاب الثقافي. كلاهما يمثل حالتين من المقاومة، وإن اختلفت أدواتهما؛ التقيّة تُمارَس في المجال العقائدي والسلوكي، بينما الرمزية تسكن النصوص: الشعر، اللوحة، المسرحية، واللحن.
في هذا السياق، يمكن استحضار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، الذي تحدّث عن “السلطة” كشبكة غير مرئية تفرض رقابة حتى على اللغة. وهذا ما يجعل من الرمزية والتقيّة أداتين لإعادة امتلاك الصوت داخل فضاء هيمن عليه الخوف.
حين نعيد قراءة الرمزية والتقيّة، لا ندعو إلى تكريس الصمت، بل إلى فهم أن بعض الصمت أبلغ من ألف صرخة، وأن بعض الإشارات أعمق من آلاف التصريحات. فالمفهومان ليسا تعبيرًا عن الجبن أو الخداع، بل عن قدرة الإنسان على حماية جوهره حين يُهدَّد بالزوال.
ليست التقيّة نقيض الصراحة، ولا الرمزية بديلًا عن الحقيقة. إنهما محاولتان لإنقاذ المعنى عندما يُراد للنواة أن تُمحى. وحين تستعاد الكلمة إلى فضائها الحر، تعود الرمزية إلى الشعر، والتقيّة إلى الذاكرة، ويعود الإنسان إلى ذاته، وقد نجا بما يؤمن به.




