الثلاثاء - 09 يونيو 2026

من ذاكرة الحج – الجزء الأول: خلف الستار في موسم عام 1987 …

منذ سنة واحدة
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

جليل هاشم البكاء ||

 

 

في عام 1987، وقبل نحو شهر من انطلاق موسم الحج، بدأت تحركات غير مألوفة في أروقة الديار المقدسة. فقد وصلت مبكرًا بعثة غير رسمية من الحجاج العراقيين، بلغ عدد أفرادها 67 شخصًا، غير أن حقيقتهم تجاوزت الهوية الظاهرية للحجاج. كانت المجموعة تتضمن خمسين فردًا من المعارضين الإيرانيين، معظمهم من أعضاء منظمة مجاهدي خلق المعارضة لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى جانب عناصر من ما يسمى بمنظمة تحرير الأحواز الشعبية، التي تأسست في العراق عقب تفجيرات جامعة المستنصرية المفبركة.

لكن اللافت أن جميع هؤلاء كانوا يتحركون تحت إشراف مباشر من ضباط في جهاز المخابرات العراقي، بلغ عددهم 17 ضابطًا بينهم عشر رجال وخمس نساء، إضافة إلى اثنين من الكادر الإعلامي والتصوير. كان هؤلاء الضباط يتقنون اللغة الفارسية ويملكون خبرة واسعة في العمل الاستخباراتي، وجاءوا بمهمة دقيقة وخطيرة: التسلل وسط الحجاج الإيرانيين، والتأثير على مسيرتهم السياسية التي تُعرف بـفعالية البراءة من المشركين، والتي كانت تقام سنويًا ضمن مناسك الحج.

المخطط تضمن توزيع منشورات سياسية، وإدخال مواد متفجرة إلى خيام الحجاج الإيرانيين، بالإضافة إلى بث الإشاعات وتأجيج المشاعر الدينية والسياسية، بهدف خلق حالة من الفوضى والاحتكاك مع قوات الأمن السعودية. ولم يكن الهدف إحداث صدام محدود فحسب، بل إرباك السلطات السعودية، وجرّها إلى مواجهة مباشرة مع الحجاج الإيرانيين.

من ناحية أخرى، تولى عدد من الضباط العراقيين التنسيق مع الجهات الأمنية السعودية، لكن دون كشف الخطة الحقيقية، حيث طلبوا المساعدة الأمنية بحجة متابعة معارضين عراقيين مزعومين. وهكذا، تهيأت الظروف ليوم مأساوي دوّن إحدى الصفحات السوداء في تاريخ الحج الحديث.

في اليوم المشؤوم، انفجرت الأوضاع كما كان مخططًا، ووقعت مجزرة دامية راح ضحيتها العشرات من الحجاج الأبرياء من جنسيات متعددة، معظمهم من الإيرانيين، إضافة إلى عدد من رجال الأمن السعوديين. هذه الحادثة، التي شغلت العالم الإسلامي لسنوات، لم تكن بحسب اعترافات لاحقة من أحد ضباط المخابرات العراقية ومصور فلسطيني كان ضمن الوفد- سوى نتيجة تخطيط دقيق ومتعمد من جانب جهاز المخابرات العراقي.

في الجزء الثاني من هذا المقال، سنتناول تفاصيل اليوم الدامي، وتبعاته السياسية والدينية، وردود الفعل الإقليمية والدولية، كما سنتطرق إلى مصير الضباط والمندسين بعد انتهاء المهمة، وتحليل أعمق للأهداف الاستراتيجية وراء هذا المخطط الدموي.