الخميس - 11 يونيو 2026

المفاوضات السرية والسياسات المثيرة: هل تقود خطوات ترامب الجديدة إلى تقسيم الولايات المتحدة؟

منذ سنة واحدة
الخميس - 11 يونيو 2026

بهاء الخزعلي ||

 

 

في ظلّ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لفترة رئاسية ثانية، تشهد السياسة الأمريكية تحولات جذرية تثير التساؤلات عن مستقبل الوحدة الداخلية للولايات المتحدة في خضم سياسات خارجية مثيرة للجدل. من المفاوضات السرية مع إيران إلى التصعيد في النزاعات الإقليمية والتغيرات الجيوسياسية، تُعيد هذه الخطوات رسم خريطة التحالفات الدولية وتُلهب الانقسامات الداخلية. فهل يمكن أن تؤدي هذه الاستراتيجيات إلى تفكك الولايات المتحدة؟ هذا التحليل يستعرض الخطوات الأخيرة ويرصد احتمالات التقسيم وعقباته.

* السياسات الخارجية: صفقات سرية وصراعات مسمّاة
1. المفاوضات السرية مع إيران:
أثارت المفاوضات غير المعلنة بين واشنطن وطهران حول الملف النووي والتي أعلن عنها مؤخرا، استياء الحلفاء التقليديين مثل إسرائيل والاتحاد الأوروبي. رغم أن ترامب يتراجع عن التهديدات العسكرية ويوقف الضربات في اليمن، إلا أن إصراره على تغيير اسم “خليج فارس” إلى “الخليج العربي” يُنظر إليه كاستفزاز متعمد لإيران وحلفائها، مما يهدد بتصعيد دبلوماسي مع دول مثل الصين وروسيا الداعمتين لطهران.

2. إيقاف العمليات العسكرية على اليمن:
قرار وقف العمليات العسكرية علي اليمن يُفسَّر كخطوة لتهدئة المنطقة استعدادًا لصفقة إيرانية، لكنه يُضعف الهيبة الأمريكية ويجعل إسرائيل مرتعبة أكثر من الخطر اليمني خصوصاً وأن اليمن لم توقف عملياتها العسكرية على إسرائيل إلا في حال أوقفت إسرائيل حرب الإبادة على غزة. في الوقت نفسه، تُجرى مفاوضات سرية بين واشنطن وموسكو في الرياض لإنهاء الحرب الأوكرانية دون مشاركة الاتحاد الأوروبي أو أوكرانيا نفسها، مما يُغذي غضب أوروبي ويهدد بشرعية أي اتفاق، وقد يلحق بذلك الاتفاق اجتماع مباشر بين بوتن وترامب وهذا ما سيزيد من إستعداد الاتحاد الأوروبي للتفكير بمصالحه الخاصة بعيداً عن الولايات المتحدة الأمريكية وقد يبني شراكات أكبر مع الصين.

3. التوسع الإقليمي وصراعات التسمية:
– غرينلاند: محاولة ترامب ضمّ الجزيرة (التابعة للدنمارك) تُعتبر استمرارًا لسياسته التوسعية، لكنها تواجه رفضًا دوليًا وحتى من الكونغرس الأمريكي.
– خليج المكسيك: النزاع مع المكسيك حول تسمية الخليج يعكس توجهًا قوميًا متطرفًا، قد يُضر بالعلاقات الاقتصادية مع جارتها الجنوبية.

* الاقتصاد كسلاح: عقوبات وحروب تجارية
– رفع التعرفة الجمركية: فرض رسوم إضافية على الحلفاء الأوروبيين والصين يزيد من عزلة الولايات المتحدة اقتصادياً، ويُعمق الانقسام داخل تحالف “الناتو”، خاصة مع تهديد ألمانيا وفرنسا بالرد بالمثل.
– القطيعة مع الاتحاد الأوروبي: سياسات ترامب الأحادية، مثل استبعاد الاتحاد الأوروبي من مفاوضات أوكرانيا، تُضعف الثقة الأطلسية وتدفع أوروبا إلى البحث عن شراكات بديلة مع الصين مما يتيح المجال للصين لتواجد اكثر في جزيرة غرينلاند بالتحديد وذلك ما تسعى له الصين.

*الداخل الأمريكي: بذور التمرد
في خضم هذه السياسات، تبرز مؤشرات على تصاعد الاستقطاب الداخلي الذي قد يهدد الوحدة الاتحادية:
1. الانقسام السياسي:
– تُعارض ولاياتٌ زرقاء (ديمقراطية) مثل كاليفورنيا ونيويورك سياسات ترامب العلاقاتية، وتتجه لتشريع قوانين تحابي الاتحاد الأوروبي أو ترفض التعرفة الجمركية.
– ولايات حمراء (جمهورية) تدعم التوجهات القومية، لكن بعضها ينتقد “المغامرات” الخارجية مثل ضم غرينلاند.

2. حركات انفصالية ناشئة:
– تكتسب حركات مثل “كاليكسيت” (استقلال كاليفورنيا) زخمًا بسبب سياسات ترامب المناهضة للهجرة والبيئة.
– ولايات تكساس وفلوريدا تُطالب بمركزية أكبر في إدارة الموارد الطبيعية، مستغلةً تصريحات ترامب عن “حقوق الولايات”.

3. الأزمات الاقتصادية-الاجتماعية:
– ارتفاع التضخم بسبب الحروب التجارية يفاقم الفجوة الطبقية.
– إضرابات عمالية في قطاعات صناعية متضررة من الرسوم على الصين.

*هل التقسيم ممكن؟ المعوقات والأسباب
الأسباب المُحتملة للتقسيم:
– الاستقطاب الأيديولوجي: تحوُّل الخلافات السياسية إلى هوويات ثقافية متصارعة.
– سياسات “أمريكا أولاً” المتطرفة: تهميش مصالح ولايات معتمدة على العولمة.
– تدهور الشرعية الفيدرالية: إذا اعتبرت ولايات أن الحكومة المركزية لم تعد تمثلها.

المعوقات الرئيسية:
1. الدستور الأمريكي: لا يسمح بانفصال الولايات، ويتطلب تعديلًا دستوريًا صعبًا.
2. الاقتصاد المتشابك: الشبكة المالية والتجارية بين الولايات تجعل الانفصال كارثيًا.
3. القوة العسكرية الموحدة: الجيش الأمريكي مُقسّم تحت سلطة فيدرالية، مما يُصعّد تكلفة التمرد.
4. الهوية الوطنية: لا تزال الغالبية تربطها هوية أمريكية موحدة رغم الخلافات.

*السيناريو الأسوأ: ماذا لو انقسمت الولايات المتحدة؟
لو حدث التقسيم – وهو سيناريو غير مرجح لكنه ليس مستحيلاً – فقد يتخذ أشكالًا مثل:
– اتحادات إقليمية: تحالف ولايات غربية (كاليفورنيا) وشرقية (نيويورك) وجنوبية (تكساس) ذات سياسات مستقلة.
– نزاعات حدودية: على غرار حرب 1861، لكن مع تدخلات دولية هذه المرة.
– انهيار الدولار: كعملة عالمية بسبب فقدان الثقة بالكيان المنقسم.

* الخلاصة: ترامب يُشعل الفتنة.. والدستور يُطفئها
رغم أن سياسات ترامب تُذكي الاستقطاب، يبقى التقسيم الفعلي للولايات المتحدة بعيدًا بسبب الترسانة القانونية والاقتصادية التي تجمعها. ومع ذلك، فإن استمرار النهج الانعزالي قد يُعيد الولايات المتحدة إلى عصر “الكونفدرالية” الهش، حيث تتصارع الكيانات الداخلية على السلطة، ليس كدول مستقلة، ولكن كقوى معرقلة لفيدرالية متهالكة. السؤال الأهم: هل يمكن لنار الترامبية أن تُذيب صخور الدستور الذي صمد 250 عامًا؟ الإجابة، حتى الآن، تلوح في الأفق كتحذير أكثر منها كتنبؤ.

*التفكك الداخلي: بين خطاب التقسيم وواقع الفيدرالية الصلبة

فيما تُواصل إدارة ترامب سياساتها الخارجية المثيرة، تتعمق الانقسامات الداخلية الأمريكية إلى مستوى غير مسبوق منذ الحرب الأهلية. لكن هل يمكن لهذه الانقسامات أن تتحول إلى تمرد علني أو انفصال؟ وما دور العوامل الخارجية في تأجيج هذا السيناريو؟

* العامل الخارجي: أعداء أمريكا يلعبون على الوتر
1. روسيا والصين:
– تستخدمان منصات إعلامية و”جيوش إلكترونية” لنشر نظريات المؤامرة حول “ضعف واشنطن”، وتضخيم خطابات الانفصال في الولايات الزرقاء، مثل دعم حسابات موالية لاستقلال كاليفورنيا على منصات مثل “تليغرام” و”Truth Social”.
– تقديم مساعدات غير مباشرة للحركات الانفصالية عبر شبكات العملات المشفرة، وفق تقارير استخباراتية مسربة.

2. إيران وحلفاؤها:
– تتبنى وسائل إعلام موالية لطهران خطابًا يسخر من “انحدار الإمبراطورية الأمريكية”، مما يرفع أسهم التيارات الانعزالية داخل الولايات المتحدة التي ترفع شعارات مثل “أمريكا لشعبها فقط”.

*الدستور مقابل الشارع: معركة القانون والهوية
1. تمرد الولايات:
– في 15 مايو 2025،أعلنت كاليفورنيا رفضها تطبيق القرار الرئاسي بفرض رسوم جمركية على الصين، وهددت باللجوء إلى المحكمة العليا. هذا التمرد القانوني قد يتحول إلى سابقة لولاية أخرى إذا فشلت واشنطن في فرض سلطتها.
– ولايات مثل فيرمونت وأوريجون تدرس تشريع قوانين تحظر نشر القوات الفيدرالية على أراضيها دون موافقة حكامها، مستندة إلى “Biden Precedent” (سابقة بايدن) والتي أصدر الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جو بايدن عددًا من قرارات العفو الاستباقي، وذلك أساسًا لحماية بعض الشخصيات العامة البارزة وأفراد عائلته من أي رد فعل انتقامي محتمل من دونالد ترامب. وكان ذلك استخدامًا جديدًا ومبتكرًا لصلاحيات العفو الرئاسي،
الذي حدث خلال أزمة الهجرة 2024.

2. المحكمة العليا: حَكَم أم مُشعل للأزمة؟
– مع تغلُّب التيار المحافظ في المحكمة (6 قضاة محافظين مقابل 3 ليبراليين)، قد تُصدر أحكامًا تدعم السلطة الفيدرالية بقوة، لكن ذلك قد يُشعل احتجاجات عنيفة، خاصة إذا قضت بعدم دستورية رفض الولايات تنفيذ سياسات ترامب.

*سيناريوهات التقسيم: من الفوضى إلى إعادة التشكيل
1. الحرب القانونية الباردة:
– ترفع ولايات زرقاء مئات الدعاوى ضد الحكومة الفيدرالية، بينما تتدخل المحكمة العليا بشكل متكرر، مما يُعطل عمل المؤسسات ويُضعف ثقة الأمريكيين بالنظام.

2. تفعيل “الميليشيات الشعبية”:
– مع تصاعد الخطاب الانفصالي، قد تشهد ولايات مثل تكساس ظهور ميليشيات مسلحة تدعم بقاء الولاية في الاتحاد بشروطها، أو انفصالها إذا “خانت واشنطن القيم الأمريكية”، وفق تصريحات جماعات يمينية متطرفة.

3. الانهيار الاقتصادي الممنهج:
– إذا بدأت ولايات كبرى مثل تكساس (الثاني اقتصادياً) أو كاليفورنيا (الأول) في إصدار عملات محلية أو رفض دفع ضرائب فيدرالية، قد ينهار الدولار، وتفقد الولايات المتحدة مكانتها كقوة اقتصادية عظمى.

*ماذا لو انهارت الفيدرالية؟ قراءة في خرائط التقسيم
1. اتحاد الشمال الشرقي:
– ولايات مثل نيويورك وماساتشوستس تشكل كتلة ليبرالية موالية للعولمة، وتعيد تحالفها مع الاتحاد الأوروبي، مع تأسيس عملة مرتبطة باليورو.

2. جمهورية تكساس:
– مع ثروتها النفطية وجيشها شبه المستقل (الحرس الوطني لتكساس)، قد تتحول إلى دولة منعزلة ذات تحالفات مع السعودية وروسيا.

3. اتحاد المحيط الهادئ:
– كاليفورنيا وواشنطن وأوريجون تشكل كتلة تكنولوجية-بيئية، وتتبنى سياسات مناهضة لترامب، مع انفتاح على الصين كشريك تجاري رئيسي.

4. الجنوب العميق:
– ولايات مثل ألاباما وميسيسيبي تُشكل كتلة محافظة متحالفة مع التيار الإنجيلي، وقد تعيد شرعنة العبودية عبر قوانين “العمل الإلزامي” للسجناء.

* اللعبة النهائية: هل ينجح ترامب في إنقاذ أمريكا.. بتدميرها؟
يبدو أن ترامب، الذي يُعرِّف نفسه كـ”مُدمِّر المؤسسات”، يلعب بالنار لتحقيق هدفين:
– إضعاف الخصوم الداخليين: عبر تحويل الانقسام إلى حرب استنزاف بين الولايات، مما يضمن ولاء القاعدة الجمهورية.
– إعادة اختراع أمريكا: ربما يسعى لـ”إصلاح فيدرالي” يُعيد السلطة للولايات على حساب الحكومة المركزية، تحت شعار “أمريكا جديدة لا مركزية”.

لكن النتيجة المحتملة هي أن تصبح الولايات المتحدة أشبه بـ”الاتحاد الأوروبي” الهش قبل خروج بريطانيا: كيانًا متهالكًا تُسيطر عليه الخلافات، وتفقد قدرتها على منافسة الصين أو احتواء روسيا.

*الخاتمة: التاريخ يعيد نفسه… لكن هذه المرة ككوميديا سوداء
في القرن التاسع عشر، انقسمت الولايات المتحدة بسبب قضية أخلاقية (العبودية). في 2025، قد ينفجر الانقسام بسبب هويات سياسية متصارعة، وغياب رؤية وطنية موحدة. الفرق هذه المرة أن العالم لن يكون مجرد متفرج: فالدول المعادية لواشنطن ستسارع إلى دعم التفكك، بينما الحلفاء سينشغلون بإنقاذ أنفسهم من السقوط في الفوضى.

الدرس الأهم: الديمقراطيات العظمى لا تُدمرها القنابل الخارجية، بل الانقسامات الداخلية. والسؤال الذي يلوح: هل ستكون عودة ترامب بداية النهاية للقرن الأمريكي… أم مجرد فصل آخر في سلسلة أزمات ستُخرج واشنطن أقوى مما كانت؟!