الجمعة - 26 يونيو 2026

قبضة الخوف والإلهاء: كيف سيطر صدام على العراق؟!

منذ سنة واحدة
الجمعة - 26 يونيو 2026

رعد صباح زنكنة ||

 

 

منذ استيلاء النظام البعثي الصدامي على السلطة، اعتمد على سلسلة من الأساليب التي تهدف إلى إفراغ الشعب من حسه الوطني وتحويل اهتماماته من القضايا المصيرية إلى التوافه والمناسبات الكاذبة، فقد كان النظام يقيم مهرجانات واحتفالات لا تنتهي، من “يوم النصر العظيم” إلى “يوم القادسية”، مما كان يعزز تهدئة الشارع ويُشغل الناس عن القضايا الوطنية الكبرى.

إحدى أبرز الأدوات التي استخدمها النظام كانت إلهاء الشعب عن الأحداث الكبيرة من خلال توفير “أبطال” وهميين، مثل المصارع عدنان القيسي، الذي أُحضِر من الولايات المتحدة ليتحدى الخصوم في معركة بهلوانية، بينما كانت الأجهزة الأمنية تشن حملات اعتقال للمعارضين، كان الجمهور مشغولاً بمشاهدة “البطل القومي” على التلفاز، و كانت هذه “الأحداث الكبرى” مجرد أدوات لتغطية عيوب النظام وكوارثه الداخلية.

ثم جاءت سياسة التخويف التي مارستها الدولة بكل قوة، “مسرحية أبو طبر”، التي كانت تهدف إلى زرع الرعب في كل بيت عراقي عبر قتل أفراد عشوائيين تم اختيارهم عشوائيًا، هي أحد أبرز الأمثلة على كيفية استغلال الخوف كأداة للسيطرة، فالمواطن العراقي كان يعيش في حالة ترقب دائم، يخشى أن يكون هو أو عائلته الضحية القادمة لهذه المذابح.

وفي ذات السياق، كان النظام يسعى لإذلال الشعب العراقي وتحطيم عزيمته بشكل ممنهج. المواطنين العاديين، سواء كانوا في مؤسسات الدولة أو الجيش، كانوا يتعرضون للمعاملة المهينة من قبل المسؤولين الحزبيين، حيث كان النظام يتعمد قتل الكرامة الإنسانية، وتحويل الناس إلى مجرد أرقام بلا قيمة، حتى كبار المسؤولين العسكريين كانوا يواجهون انتهاكات غير إنسانية من قبل ضباط صغار داخل النظام، الذين استغلوا سلطتهم للإذلال والتعسف.

أما في سياق “التنفيس” عن الغضب الشعبي، فقد لجأ النظام إلى استراتيجيات تبدو وكأنها تمثل مساحة حرية، لكنها في الواقع كانت مجرد فخ لتحديد العناصر المخالفة داخل المجتمع، فمثلاً، كان “تلفون صدام حسين” الذي تم ترويجه على أنه قناة مباشرة بين الشعب والرئيس،

في الواقع مجرد وسيلة للكشف عن معارضين محتملين و كانت هذه الخدعة الإعلامية جزءًا من سياسة التنفيس الممنهج، حيث تم تسويق الفكرة بأن المواطنين يمكنهم التحدث مباشرة مع الرئيس، و لكن الحقيقة كانت أن هذه المكالمات كانت تستخدم كأداة للكشف عن المعارضين أو أولئك الذين لا يتماشى كلامهم مع سياسة الدولة، و هكذا، قدم النظام نفسه على أنه “القائد الذي يستمع لشعبه”، بينما كان في الواقع يطارد كل من يعبر عن أي نوع من المعارضة.

أحد أخطر الأساليب التي استخدمها النظام هو نشر الفرقة بين فئات الشعب المختلفة، إذ عمد النظام إلى خلق حالة من العداء بين الطوائف والعرقيات عبر الطبقية المعيشية مما ساعد في تعزيز سلطته عبر إشغال الشعب بصراعات جانبية مخفية ، و تهجير المواطنين الاصليين من مناطقهم كالكورد الفيليين ، وتنفيذ حملات إعلامية لزرع الكراهية بين السنة والشيعة، كان جزءًا من استراتيجيات الفرقة التي تبناها النظام لتفتيت النسيج الاجتماعي العراقي.

انتظرونا في مقالات قادمة ضمن هذه السلسلة، حيث نواصل كشف استراتيجيات النظام من تلاعب وتروي الشمولية في تفكيك المجتمعات والسيطرة على العقول، من خلال نماذج تاريخية وتجارب معاصرة،

هذه ليست دروسًا في الماضي فحسب، بل تحذيرات للمستقبل.