ضياء”الطفولة الموؤودة..!
كوثر العزاوي ||

ذلك البرعم البكر، لأبوَين جمعتهما وشائج الحبّ المقدّس، وصارا لبعضهما سندًا وأُنسًا، وأثمر الحب مولودًا أسمياه “ضياء”. وكان ذلك في السادس عشر من تموز عام ١٩٨٠م، والموافق للثالث من شهر رمضان المبارك.
وُلد ضياء بعد مخاض عسير، سبقتهُ أحداثًا أشدّ عسرًا اثناء فترة الحمل. أبوا ضياء طَبيبَان يعملان في مستشفى الحسين في كربلاء المقدسة، ومنذ مجيء رجال الأمن الصدامي لاعتقالهما على إثر قضية إسلامية، أصبحا بعدها مطلوبَين لأجهزة الأمن، وكان قدَر ضياء أن يولد في ظلّ حكم ظالم لايمت للانسانية بصلة.
وعند الكلام عن الطفولة عادة، يتبادر الى الأذهان، ذلك المشهد الورديُّ الشفاف من عالَم البراءة والجمال، إذ يعكس كل ماهو جميل، ويعبّر عن النقاء المرتسم على وجوه الأطفال، في لَهوِهم ولَعِبهم ومرحِهم، وهم بين أحضان والدَيهم، وكنف ذويهم، يسرحون ويرتعون! حتى أنّ السمع لَيُطرب على إيقاع موسيقى ضَحِكاتهم الساحرة، فتخرقَ نغماتُها القلوب، في تناغم مع الفطرة الإنسانية، فما تلبث حتى تنعكس على ملامح وجوهنا أبتسامة عفوية يشرق معها القلب وينشرح لها الصدر مهما كنا متعَبين مقهورين،
نعم! هكذا يسرح بك الخيال مع معاني الطفولة.!
وأنت في هدأة الأحساس، سرعان ما تقفز أمامك مشاهد البراءة في دهاليز دوائر الأمن الصدامي، صارخة مدماة، يعبث الجلاد بمفاصلها الغضة الطرية، عَبثُ الذئب بحَملٍ وديع! لاتتعجب مما ستقرأ في سطوري بحق الطفولة الموؤودة في بلادي “العراق”، بل تأمل نبض السطور لحظة!
في حقبة الزمن القبيح، زمن الوحشية المهولة! وَأدَ صدام أطفالاً مازالوا براعم رضّع، وكذا من كان في عُمر الصبا، بعد أن جعل منهم أداة ضغط لانتزاع الاعتراف من الآباء والأمهات الذين تسلّحوا بالإيمان والأهداف النبيلة، ولأنهم رفضوا سياسة الذل ومصادرة الرأي، فاعتبرهم الطاغية نِدًا قبال نظامه الدكتاتوريّ المتغطرس، فملكَ حق التنكيل والإعدام والقمع الجماعي دون أعتماد أدنى مقاييس الإدانة.
وفي ذلك الجو الدموي الخانق، كان ضياء مثالٌ للطفولة المعذَّبة في زنازين الأمن العامة وغيرها، في حقبة بلغ العنف والإرهاب ذروته، وغادرت الإنسانية نفوس كل من يدور في فلك طاغية العراق”صدام”
كان ضياء قد اعتقل مع أبوَيه، لم يكن قد تجاوز الأربعة اشهر من عمره، وفي اثناء تعذيب أمه، ترى الطفل يرتجف، ولا يملك غير الصراخ بلا انقطاع، وقد يخمد صوته فجأة حتى تظن أمه قد مات!
ويتكرر ذلك بعد جولات من التعذيب النفسي والجسدي، وما إن يحين وقت التحقيق مع أبي ضياء حتى يأتوا إليها ليأخذوا الطفل، فتضمه الى صدرها بقوة لتمنع الجلادين من انتزاعه من حضنها، فتصرخ تارة، وتستغيث بربها تارة اخرى، أنّى لها بالمقاومة وقد أثخنوها بالجراح، حتى لا تكاد تحرك يديها، فتعجز عن مقاومتهم، اخذوا الطفل، جعلوه بين أيديهم كدُمية بلا روح أو إحساس، والسياط تتلوى على الجسد النحيف “لمحمد أبا ضياء”،
ذلك البطل الذي ظلّ مطارَدًا مع زوجته وطفلهِ عامًا كامِلًا، وبعد مدة من التغييب والتعذيب، يأس الجلاد من إرغام “محمد”على النطق بكلمة تخفف وطأة جحيم غضب جلاده،
فحكموا على الأبوين بالإعدام شنقًا حتى الموت في ظروف غامضة، وبقي ضياء مجهول المصير، بعد انتزاعه من أمه قسرا، ومهما حاولت الاستنجاد والتشبث به لن تفلح، ولم ترِقْ قلوب الطغاة لمشهد صراخ الطفل، لأنها كالحجارة او اشد قسوة.
فَصَلوا الطفل عن أمه، وفرّقوا بين الزوج وزوجته، وغاب ضياؤهما، ولمّا يأست من عودة طفلها الى حضنها، وقد علمت أنها ستُعدَم مع زوجها، وقبلَ تنفيذ حكم الاعدام، أخذت تسأل عن ابنها وتوصي كل من التقتهم أثناء نقلها من زنزانة الى أخرى، بأن يذيعوا خبر خطف طفلها “ضياء” بعد الحكم عليهما بالاعدام،
ولم تكتفِ بذلك، فحيثما تمكث تحفر على جدران زنزانتها وصية: (انا الدكتورة ساجدة، أبلغوا اهلي فقد اخذوا ابني مني). وبمشيئة الله تعالى، وبعد سنوات طرقت هذه العبارة أسماع من مرّ بها وعرفها من خلال الأعداد الداخلة والخارجة مِن وإلى دوائر الأمن. حتى وصلت وصيتها إلى أهلها،
ومنذ ذلك اليوم اختفى ضياء في غياهب المجهول، وطمسوا هويته. وليعلم كل العالم، إنّ مافعله صدام مما لا يخطر على بال مخلوق، ولا يمكن أن تتصوره مخيلة انسان سويّ!
لقد خنق أطفالاً في أعمار الورود بالأسلحة الكيمياوية في حلبجة وكردستان العراق عام ١٩٨٨م، وأطلق النار على أجِنّة في بطون أمهاتهم، وهشّم رؤوس أطفالٍ أمام آبائهم وأمهاتهم اثناء التحقيق معهم، وغير ذلك من فنون العذاب والقمع، مالم يحصل في تاريخ البشرية. وضياء عيّنة ممّن شملهم قول الباري “عزوجل”
{وَإِذَا الْمَوْؤدَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}.
٢٨-رجب الأصب-١٤٤٦هجري
٢٩-كانون الثاني-٢٠٢٥ميلادي



