لماذا تخشى اسرائيل من ظهور جماعات معارضة لنظام مابعد الاسد؟
أ.د. جاسم يونس الحريري ||
بروفيسور العلوم السياسية والعلاقات الدولية
للاتصال بالكاتب:- jasimunis@gmail.com

تتكشف يوميا دموية نظام بشار الاسد الذي مارس أبشع الجرائم بحق الشعب العربي السوري على مدى السنوات السابقة من مراكز تعذيب لتكسير وتقطيع الجثث واذابتها في محلول التيزاب(الاسيد) وأدت سياسات بشار الأسد القمعية، خاصة بعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011، إلى تدمير البلاد وتشريد الملايين.
وتسببت الحرب في مقتل مئات الآلاف من المدنيين، واستخدام الأسلحة الكيميائية. وفي المقابل شهدت سوريا صباح الأحد 8 دجنبر 2024، تحولا تاريخيا بإعلان سقوط نظام بشار الأسد بعد حقبة دموية بدأت في 2011، وعقود من حكم عائلة الأسد. وتبدأ اليوم سوريا، التي كانت تحت سيطرة نظام الأسد منذ عام 1971،
صفحة جديدة من تاريخها.وبينما يحتفل البعض بسقوط النظام، يبقى مستقبل البلاد رهينا بقدرة السوريين على تحويل هذا الانتصار العسكري إلى سلام واستقرار دائمين.
ألا أن ((اسرائيل))تخشى من ردود فعل السوريين في الداخل والخارج من الفئة الحاكمة من ((هيئة تحرير الشام))التي ولدت من رحم تنظيم ((القاعدة)) الارهابي التي تعملُ بفكر وأيديولوجيّة ((جبهة النصرة)) التي كانت جُزءًا من تنظيم ((القاعدة)). وهذا ما تؤكده الوقائع أن مقاتلي جبهة فتح الشام لا زالت لهم علاقات متطورة معَ تنظيم القاعدة. وعلى الطرف الآخر؛ يرى الدبلوماسون الرّوس والكرملين أنّ ((هيئة تحرير الشام)) هي جبهة النصرة باسم مُختلف ويُؤكد الكرملين أيضًا على أنّ هدفَ الهيئة هوَ تحويل سوريا إلى إمارة إسلامية على غرار ما كان ينوي فعلهُ تنظيم (داعش) الارهابي وكشف المراسل العسكري لصحيفة “معاريف” الإسرائيلية،
((آفي أشكنازي ))، أذ يقول ((ولقد خلقت الحرب الأهلية موجة لاجئين سوريين في أوروبا، لكن أيضا في الأردن وتركيا والعراق وغيرها، بعضهم ينتمون للتيارات المختلفة لجماعات الثوار، بعضهم فقط مواطنون أبرياء نجوا في اللحظة الأخيرة من المعارك والفظائع التي وقعت في سوريا، الآن هم مثل القنبلة اليدوية التي فلت رفاصها، لكن اليد لا تزال ممسوكة ولم تتحرر”.
واعتبر أن “التخوف في هذه اللحظة هو أن الكثير جدا من الجماعات، بما في ذلك جماعات من اللاجئين السوريين، لكن أيضا من معارضي النظام في أرجاء الشرق الأوسط، سيرفعون الرأس.. من المملكة الهاشمية في الأردن، عبر العراق الذي له ديمقراطية هشة، وحتى الثورة المتجددة للإخوان المسلمين في السعودية، وفي البحرين والكويت، لكن أيضا في مصر”.
يختلف وضع سوريا الآن عن باقي الدول التي تتضح فيها أسس الدولة من دستور وشكل محدد للسيادة والنظام السياسي، والحدود الجغرافية، حيث أصبحت بحكم الثورة بلا دستور معتمد أو نظام سياسي وحدود واضحة، ويشكل هذا تحديا كبيرا للسلطات الجديدة.
ومن ناحية أخرى، فإن المعارضة السورية الحالية تتسم بتعدد الأطياف بين الفصائل المسلحة ذات المرجعيات الإسلامية والأيديولوجية إلى جانب القوى السياسية الليبرالية، وهذا التنوع يمثل تحديا للوصول إلى توافق حول شكل الدولة المقبلة.
ومع انهيار نظام الأسد، سارعت ((إسرائيل)) إلى تكثيف عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية وتعزيز وجودها في الجولان المحتل، حيث توغلت في المنطقة العازلة المقرة وفق اتفاقية عام 1974.
ومع هروب الرئيس المخلوع بشار الأسد من دمشق، بدأ الجيش الإسرائيلي توغلا بريا اجتاز على إثره خط فض الاشتباك مع سوريا، وسيطر على عدد من النقاط، بعضها يقع على مرتفعات في جبل الشيخ.
الدور الإسرائيلي في سوريا لم يكن فقط عسكريا بل سياسيا أيضا، حيث أشارت تصريحات مسؤولين إسرائيليين مثل وزير الخارجية ((غدعون ساعر)) إلى ((أن وجود القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية يهدف إلى “ضمان أمن إسرائيل خلال فترة الارتباك بعد سقوط الأسد”.
ولهذا، فإن شكل العلاقة مع إسرائيل يمثل تحديا شاملا للحكومة السورية المقبلة عبر الأبعاد العسكرية، السياسية والدبلوماسية)). أن الحديث الإسرائيلي عن حماية الأقليات من دروز وعلويين وأكراد يأتي في سياق مخطط التقسيم، أن ((إسرائيل)) ترى في تفتيت سوريا مصلحة إستراتيجية لها، خاصة مع دعم أميركي محتمل لهذا التوجه.
المحلل الإسرائيلي ((أبراموفيتش)) كان قد توقع أن سقوط نظام الأسد قد يحول المقاومة من كلامية إلى فعلية، خاصة إذا نجحت هذه القوى في إقامة نظام ديمقراطي قوي.
أن الصدمة الإسرائيلية كانت مزدوجة: الأولى في سرعة سقوط نظام الأسد، والثانية في قدرة القوى الجديدة على الحفاظ على المؤسسات السورية وضمان استمرار عملها بسلاسة، الأمر الذي تعدّه ((إسرائيل)) تطورًا خطيرا عليها.




