هل هي البداية؟!
أمين السكافي (لبنان-صيدا) ||

الحرب لها صولات وجولات، وهي تتألف من عدة معارك. نربح اليوم معركة، ويربح العدو في اليوم التالي معركة، ولكن الحرب سجال ولم تحسم بعد. هذه الحرب تحديدًا ليس فيها تعادل أو هدنة أو اتفاق سلام واستسلام. هذه الحرب بمعاركها سوف تكون نهايتها إما غالب أو مغلوب، إما أن نسحق وهذا مستبعد بإذن الواحد الأحد، وإما الزوال لكيان اغتصب أرضًا ليست أرضه.
في معركة بدر وأحد، هكذا صاح رئيس الشرك يومها أبو سفيان بوجه المسلمين بعد خديعة خالد وعمرو بن العاص وعدم الالتزام والطاعة بأوامر النبي التي بدرت من الرماة المتواجدين أعلى الجبل. كانت صرخة الشيطان أن “قتل محمد”، كما سبقهم طعنة وحشي الغادرة بسيد الشهداء حمزة التي طلبتها منه هند بنت عتبة انتقامًا لمقتل أبيها وأخيها وعمها في بدر. كان تضعضع جيش المسلمين واضحًا.
لكنها لم تكن النهاية بل كانت البداية ودرسًا في طاعة القائد وأوامره والالتزام بها. وتوالت الانتصارات التي خلقت من رحم أحد حتى أخطأ المسلمون خطأهم الثاني يوم حنين بعد أن دخلوا مكة فاتحين بعشرة آلاف مقاتل بعد إنهزامهم في أحد. ليكون الدرس الثاني لهم بعد فتح مكة ونشوة النصر، توجهوا إلى حنين.
قال الله تعالى: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم}. فالحياة مدرسة والدعوة المحمدية مدرسة، والحرب لها قواعدها وأهمها الثقة بالله وأن النصر ليس بكثرة العدد.
الدليل هنا هو قول الذين هم أشد إيماناً من الآخرين: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}. هؤلاء أدركوا أن الأمر ليس بالعدد ولا بالعُدد، بل لابد من الالتجاء إلى قوة الله العزيز الجبار، ليستمدوا منها القوة التي تؤهلهم لخوض تلك المعركة.
المعارك لا تقاس بالعدد ولا العدة فقط، مع أن الله أمرنا في كتابه: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون}. فالإعداد الجسدي وقبله النفسي من ضرورات المعركة والتوكل على الله أولاً وآخراً.
يجب أن يكون الهدف منها ساميًا كتحرير أرض مغتصبة أو رفع المظلومية عن شعب ما أو لدرء خطر عدو عن موطنك أو لموقف حق اتخذته في وجه سلطان جائر كما حصل مع الإمام الحسين بن علي سلام الله عليه. كانت المعركة غير المتكافئة بينهم تقف على كلمة يقولها الحسين، ولكنها كانت ستؤدي بالأجيال اللاحقة إلى تعود المذلة والهوان.
أما الحكام وخصوصًا الجبابرة العاصين، فاستشهاد الحسين والسبعين شخصًا من أهل بيته وأصحابه في مواجهة عمر بن سعد ومعه ثلاثين ألفًا من جند وتبع يزيد بن معاوية أوصلنا اليوم إلى ما وصلنا إليه من رفعة للحسين عليه السلام وعلو مقامه. أصبح الحسين مدرسة وفكرة وعقيدة لكل من يؤمن بالعزة والكرامة والشرف والثورة على الباطل وعلى السلطان الجائر.
استشهد الحسين، ولكن فكرته بقيت عابرة للعصور يتزود منها كل حر شريف. وما الملايين التي تزور ضريحه إلا استفتاء لخطه ونهجه، بينما فكر يزيد المحدود جعله يضيع في غياهب النسيان. أراهن على أنه لا أحد يعرف قبره. فمن الذي انتصر في كربلاء: الجسد أم الفكرة؟




