نكسة 67 وحرب الاستنزاف..!
أمين السكافي (لبنان-صيدا) ||

للحقيقة، كلمة “نكسة” هي من بناة أفكار الصحفي محمد حسنين هيكل، والتي وضعها في خطاب التنحي الخاص بعبد الناصر. أراد عبد الناصر إبلاغ من يهمه الأمر بأنه سيستقيل ويعود إلى صفوف الشعب كأي فرد منهم، وأنه يتحمل كافة المسؤولية. والصحيح أنه كان يعتمد على رفيق دربه المشير عامر الذي طمأنه أكثر من مرة إلى جاهزية الجيش المصري.
طبعاً، هذا لم يعجب الجماهير المفتونة بناصر، وخرجت تطالبه بالعودة عن قرار التنحي، وكان للناس ما أرادت. للحقيقة والتاريخ، فإن خطأ عبد الناصر الأساسي هو ثقته في رفاق السلاح الذين قام معهم بالثورة، وخاصة وزير دفاعه المشير عامر وصديقه المقرب، والذي كان ينقل إليه تقارير غير دقيقة عن وضع الجيش.
التحديات الداخلية والخارجية
كان لدى عبد الناصر الكثير من المسؤوليات الداخلية من بناء مصانع وجسور وبنية تحتية والسد العالي، بالإضافة إلى انشغالات عديدة خارجية من المساعدة في تحرير الجزائر إلى حرب اليمن، إلى اهتمامه بتحرير بعض الدول الأفريقية. ناهيك عن المؤتمرات العالمية، منها مؤتمر باندونغ الذي أسس على أثره حلف دول عدم الانحياز، والذي كان من ضمنه نهرو رئيس الهند وتيتو رئيس يوغوسلافيا والرئيس الصيني شو آن لاي. ولا نستطيع أن ننسى إنشاء حلف بغداد فقط لتحجيم عبد الناصر من خلاله.
لذلك، كان يتكل في بناء موقفه على ثقته التامة في وزير دفاعه الذي ظنه يقوم بعمله على أكمل وجه، والضباط الذين كانوا معه. وللأسف، كانوا من أفشل الناس في تدريب وتجهيز الجيوش، ولم يكونوا جاهزين لأي حرب قد يضطرون لخوضها. والأسوأ من ذلك كان فشلهم في تنظيم قرار الانسحاب العشوائي من سيناء، والذي تسبب بكارثة للجيش المصري. وللأسف، الرئيس لم يعلم بشيء من هذا قبل الحرب، وفوجئ بالموقف كما فوجئ أي مواطن مصري.
تداعيات النكسة
كان ما كان من تدمير الطائرات المصرية وهي قابعة على المدرجات وتدمير الجزء الأكبر من الجيش في سيناء. أما الوحيد الذي استطاع الخروج بفرقته من الضفة المحتلة إلى الضفة الثانية، فكان الفريق الشاذلي، الذي كان له الدور الأبرز في حرب أكتوبر 1973.
المشير عامر، وبدلاً من أن يستكين، قرر المواجهة هو ومجموعة من أزلامه من الضباط، فكان أن انتحر لأن الانقلاب الذي كان يحضره فشل. أما الطريقة التي انتحر بها، فحقيقة لا أعلم، فالروايات متضاربة بهذا الشأن والغموض سيد الموقف.
إعادة بناء الجيش
عين الرئيس الفريق فوزي وزيراً للدفاع مع تعليمات مشددة بأن يعيد بناء الجيش في مدة أقصاها ثلاث سنوات، وهذا ما حصل فعلاً. بالإضافة إلى بدء حرب الاستنزاف ضد العدو. مصر أطلقت عليها حرب الاستنزاف، وأما التسمية الإسرائيلية فكانت حرب الألف يوم. كانت من أصعب الفترات على الجيش الإسرائيلي، حيث كانت الهجمات يومية على طول خط بارليف، إضافة إلى التسلل اليومي من قوات الصاعقة المصرية إلى الضفة الأخرى لإقامة كمائن وقتل أو أسر ما تيسر من جنود العدو.
المجازر الإسرائيلية
حاول العدو جاهداً وقف هذه العمليات لكنه لم يستطع، فوجه نيرانه إلى الداخل المصري ليرتكب ما تعود عليه، وهي المجازر بحق الأطفال، كما حصل في مدرسة بحر البقر، حيث ذهب ضحيتها عشرات الأطفال، وكانت وصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء. ولكن بعد نصب حائط الصواريخ وإسقاط طائراته، لم يعد يجرؤ على تجاوز الأماكن المدنية.
كما وجهت له ضربات في العمق، كتفجير الرصيف البحري في مدينة إيلات أكثر من مرة، وتدمير عدة سفن حربية إسرائيلية، وعلى رأسهم المدمرة إيلات، التي كانت فخر البحرية الإسرائيلية، وكان على متنها 250 جندياً وضابطاً مقابل بورسعيد. فكان أن طلب الكيان تدخل الأمم المتحدة للتوسط لدى مصر للسماح له بالبحث عن ناجين وجثث قتلاه.
نتائج حرب الاستنزاف
الحقيقة أن المصريين قاموا بجهود جبارة في حرب الاستنزاف، وباعتراف القيادة الإسرائيلية، فإن خسائرهم في حرب الاستنزاف فاقت كل خسائرهم من 1948 إلى 1956 وصولاً إلى 1967 مجتمعة.
كان العمل على بناء الجيش وتجهيزه يجري على قدم وساق، بإنتظار اللحظة المناسبة بالتنسيق مع سوريا. كانت الخطة الموضوعة للهجوم هي “جرانيت”، ولكن بعد استلامه للسلطة، قام الرئيس السادات بإجراء تعديلات عليها تناسب محادثاته مع الأميركيين.
وفاة عبد الناصر
توفي الراحل الكبير عن عمر ناهز 52 عاماً، قضاها في سعيه للوحدة العربية واستعادة الحقوق المغتصبة، وإطلاقه اللائحات الثلاث المشهورة في مؤتمر الخرطوم: لا للتفاوض، لا للاعتراف، لا للصلح. وجملته التي أصبحت على كل لسان في الوطن العربي: “ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”.
قيل الكثير عن وفاته، وأغلب التقارير تشير إلى اغتياله بطريقة مبتكرة من أنواع السموم، والبديل كان جاهزاً وهو أنور السادات. خسرت الأمة قائداً كبيراً من الصعب أن يعوض. صحيح أنه كان رئيس مصر، ولكنه حكم العرب، وفي تطلعاته كان أكبر من العرب.
التساؤلات
السؤال هنا للمصريين: هل كان ما فعله آباؤكم وأجدادكم في قتال الصهاينة خطأ؟ وإن لم يكن، فلماذا تعاقبون غزة اليوم على مقاومتها؟




