الخميس - 11 يونيو 2026

تعلموا العربية وعلموها الناس ..!

منذ سنتين
الخميس - 11 يونيو 2026

محمد الجاسم ||

 

(113)
هَلُمَّ.. هَلُمِّي..هَلُمُّوا
يُعْرَبُ (هَلُمَّ) اسمَ فعلِ أمرٍ بمعنى (تعالَ)، مبنيًّا على الفتح، لا محلَّ له من الإعراب… والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنتَ، وهو أحد أسماء الأفعال الكثيرة، مثل:(هَيْهَاتَ)و(شَتّانَ) التي لاتقبل سوى لفظٍ واحد للمفرد والمثنى والجمع، في أكثر لغات العرب، ومنها لغة أهل الحجاز، وهو رأي سيبويه ، كقوله تعالى:
” هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ” 36 ـ المؤمنون .
وقوله تعالى:
” قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَـذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ” 150 ـ الأنعام .
لكنَّ عامّةَ العربِ وفصحاءَهم أنكروا على أَهل نَجْدٍ وبني تميم وبني سعد أنْ يُصَرِّفُوها، فإِنهم يُجْرُون مُجْرَى قولهم (رُدَّ)، فيقولون للواحد هَلُمَّ كقولهم رُدَّ، وللاثنين وللثِّنْتَينِ هَلُمَّا كقولهم رُدَّا، وللجمع هَلمُّوا كقولهم رُدُّوا، وللأُنثى هَلُمّي كقولهم رُدِّي، ولجماعة النساء هَلْمُمْنَ كقولهم ارْدُدْنَ، ومن هذا المعيار قال الشاعر أحمد شوقي :
“هَلُمِّي مَنْفُ هذا تاجُ خوفو … كقرصِ الشمسِ يعرِفُهُ الأنامُ ” .
وكقول الشاعر أحمد محرم:
” هَلُمُّوا يا بني الإسلامِ نسعى … عسى الزمنَ الذي وَلّى يعودُ ” .
ولنا في الشواهد القرآنية من كلام الله تبارك وتعالى أسوةٌ حَسَنَةٌ، في استعمال لفظ (هَلُمَّ) للمفرد والجمع على السواء، كقوله تعالى:
” قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ”
18 ـ الأحزاب ـ .
ويكتنز التراث الأدبي لفطاحل شعراء العربية الأفذاذ كالشاعر الفرزدق بهذا المعيار، قوله:
” هَلُمّ إلى الإسْلامِ وَالعَدْلُ عِنْدَنا … فَقَدْ ماتَ عن أرْضِ العرَاق خَبالُها “.
وكما قال الشاعر الأعشى:
” وَكَانَ دَعَا رَهْطَهُ دَعْوَة ً… هَلُمَّ إلى أمرِكمْ قدْ صرمْ “.
والآن (هَلُمَّ ) يا (أهلَ) الخيرِ أحبَّتَنا الكرامَ إلى أنْ نتمسَّكَ بلغةِ القرآنِ المجيدِ..

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل

(114)
الجهات: اليَمِينُ..واليَسَارُ..أم..اليَمِينُ والشِّمَالُ ..؟
( إذا انقلبتْ سيارةٌ يسارًا فيمكن تجاوزُها من اليمين )، عبارة تتكرر في معجم قوانين وأنظمة المرور في العراق وغيره من الدول العربية،وقد ساد بين العامة والخاصة لفظ (اليسار) ويريدون به (الشمال) جِهَةً. وهذا من الأغلاط الشائعة.
لكننا نرى أن الفيروزأبادي في معجمه الشهير (القاموس المحيط) يُعَرِّفُ (الشمال) بأنه:” ضِدُّ اليمينِ، كالشِيمالِ والشِمْلال، ج: أشْمُلٌ وشَمائِلُ وشُمُلٌ وشِمالٌ، بلفظِ الواحِدِ. شَمَلَ به: أخَذَ ذات الشِمالِ.”، وهذا يتطابق مع الشواهد القرآنية للفظ (الشمال) ، عكس (اليمين)،جِهَةً. كقوله تعالى:
” وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ” 17 ـ الكهف .
وقوله تعالى:
” وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ” 18 ـ الكهف .
وقوله تعالى:
” وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ” 41 ـ الواقعة .
ورُوِيَ عن النبي(ص)، ” أنَّه خَرَجَ إلى المُصَلَّى فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وقَلَبَ رِدَاءَهُ، وصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ سُفْيَانُ : قَلْبُ الرِّدَاءِ جَعْلُ الْيَمِينِ الشِّمَالَ ، وَالشِّمَالِ الْيَمِينَ “.
وفي سنن الترمذي عن عبد الله بن عمر عن النبي(ص) أنه قال:
” لَا يَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ ، وَلَا يَشْرَبْ بِشِمَالِهِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ ”
وفي هذا المعنى في جهة الشمال، عكس جهة اليمين، قال الشاعر المتنبي:
” بَسَطَ الرّعبُ في اليَمينِ يَميناً … فَتَوَلّوْا وَفي الشّمالِ شِمَالا “.
فلم تردْ في تراث الأمة إشارةٌ الى (جهة) الشِّمال بلفظ (اليسار) أو (الجهة) اليسرى، إلا ما أشارَ العربُ بهذا اللفظِ بحدود معنى اليُسْرِ ضدَّ العُسْرِ،
كقوله تعالى:
” وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ” 8 ـ الأعلى .
وعدا ماوضّحنا بخصوص (الجهة) ، فقد اخْتَصَّتْ في الأثر تسميةُ كلِّ أحَدِ عضوَيْنِ متقابِلَيْنِ من الجَسَدِ ،كاليدِ اليمنى واليد اليسرى، والفَخِذِ اليمنى والفَخِذِ اليسرى، والعينِ اليمنى والعينِ اليسرى،والإبهامِ الأيمنِ والإبهامِ الأيسرِ، في الكَفِّ الأيمنِ والكفِّ الأيسر،والبُطَيْنِ الأيمن والبُطَيْنِ الأيسر في القلب.
كقوله تعالى:
” وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ” 17 ـ طه .
وقول الشاعر الوَأْوَاءُ الدمشقي:
” ما أفسدتْ يدُها اليُمْنَى محاسِنَهُ … مُذْ أَصْلَحَتْ يَدُها اليُسْرَى مَساوِيهِ ” .

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل .

(115)
الاستخدام المغلوط للفعل (اعْتَقَدَ)،
كما ورد في ديباجة مقالة لأحد المفكرين العرب، جاء فيها:
“كنت أعْتَقِدُ أنَّ العبد هو الذي يحبُّ اللهَ أولًا حتى يحبَّهُ اللهُ؛ حتى قرأت قول الله تعالى
(فسوف يأتي الله بقومٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه)”..وهذا استخدام مغلوط للفعل (أعْتَقِدُ)، ولعلَّهُ كان يريد فعل الظن، ليقولَ (أظُنُّ). علمًا أن (أعْتَقِدُ) ليست لها صلة بفعل (الظنّ)!
ولعلَّ من أخطر الأغلاط الشائعة تلك التي تساهم مواقع الإنترنت في إفشائها بين العامة من الناس، وقد صادفني مرة في معجمِ معانٍ إليكترونيٍّ أنه يشرح معنى الفعل (اعتقد)، فيقول:
” اِعتَقَدَ: (فِعْلٌ) ،اعْتَقَدَ ، يَعْتَقِدُ ، اعتقادًا ، فهو مُعْتَقِدٌ ، والمفعول مُعْتَقَدٌ، ومعناها:
ظنَّ، تصوَّر، حَسِبَ، توهَّم خلافًا لما كان يعتقد “.
ومن الغريب في ذلك أنَّ كل واحد من هذه الأفعال الأربعة التي أوردها المعجم، لها معناها المختصُّ بها المختلِفُّ عن الآخرِ في العربية.
فالظَّنُّ : إِدراكُ الذهنِ الشيءَ مع ترجيحِهِ، وقد يكون مع اليقين. والجمع : ظُنُونٌ، وأَظانينُ. ويفيد التَّرَدُّدَ الراجِحَ بين طَرَفَي وقوعِ الشيْءِ وعدمِه، كقوله تعالى:
” وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ”
36 ـ يونس ـ .
وكقول الشاعرِ قيسِ بنِ ذَريح:
” وقَدْ يَجمَعُ اللهُ الشَّتِيتَيْنِ بَعدَما … يَظُنَّان كُلَّ الظَّنِّ أنْ لا تَلاقِيَا “.
أما مفهوم (الاعتقاد) المشوب خطأً بالظن، فالفعل منه (اعْتَقَدَ) التي أصلها الثلاثي المجرد(عَقَدَ) فتعود الى:
عَقَدَ الحَبْلَ والبَيْعَ والعَهْدَ يَعْقِدُهُ: شدَّهُ،
وفي هذا قال الشاعر جرير:
” أَسيلَةُ مَعقِدِ السِمطَينِ مِنها … وَرَيّا حَيْثُ تَعتَقِدُ الحِقابا “.
ومن نافلة القول أن الفعل (اعْتَقَدَ) قد سرى الى أن يعقدَ المرءُ فكرةً أوعقيدةً في لُبِّهِ وقَلْبِهِ،
كما قال الشاعرُ بدويُّ الجبل:
” آمَنْتُ بالفَرْدِ حُرًّا في عقيدتِهِ … و كلُّ فَرْدِ و ما وَالَى و ما اعْتَقَدَا ” .

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل

(116)
(شَرَعَ..الشارِع)
لعلَّ مِنْ أغربِ أنواع الأغلاط اللغوية الشائعة استخدامَ الفعلِ (شَرَعَ) واسمِ الفاعل منه (شارِع) بغير مقاصد معانيه المختصة به في لغتنا العربية. فمثلًا يأتي في الأخبار الأمنية اليومية:
” شَرَعَتْ القواتُ الأمنية بنصبِ حواجزَ عسكريّةٍ وتفتيشٍ دقيقٍ للمركباتِ والمارَّةِ ” ،
وهم يعنون : بَدَأَتْ (إنْ ابتدأت)..أو..طَفِقَتْ (إنْ واصَلَتْ الفِعْلَ).
أما الاستخدام الغريب الآخر لمفردة (الشارِع) فقد حرفوها عن مقصد معناها الأصلي، كما يرد في الأخبار السياسية:
” نوابٌ عراقيّون يؤكدون صعوبة إرضاء الشارع العراقي والأحزاب معًا “،
” الشارِع يتظاهر ضد الحكومة “.
وهم يعنون : الجماهيرَ..أو المواطنين..أو أفرادَ الشعب.
ولم ينتبهوا الى أن الفعل ( شَرَعَ ) له معانٍ كثيرةٌ، من أهمها في صدد هذا البحث البسيط، مايلي:
ـ شَرَعَ المنْزِلُ: صارَ على طَريقٍ نافِذٍ، وهي دارٌ شارِعَةٌ، ومَنْزِلٌ شارِعٌ،أي مُشْرِفٌ على طريقٍ نافِذٍ. فالمنزل والدار هما الشارعان..وليس الطريق هو الشارع.
قال الشاعر ابن الروميّ:
” وأن تَشْرعَ الدُّهْمُ في بَحْرِكُمْ … وأنْ لا يَرَوْني مع الشارِعِ “.
ـ شَرَعَ لهم شَرْعَةً أو شريعةً: سَنَّ لهمْ سُنَّةً ،وأقرَّ لهم سبيلًا.قال تعالى:
” أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ” 21 ـ الشورى .
وقال الشاعر المتنبّي:
” وَلَوْ رَآهُ حَوَارِيّوهُمُ لَبَنَوْا … على مَحَبّتِهِ الشّرْعَ الذي شَرَعُوا “.
وقال الشاعر ابن نباتة المصري:
” شَرَعَ الهُدَى ووصفتُ شارِعَ فضلِهِ … أكْرِمْ بفَضْلَيْ مَشْرَعٍ ومُشَرِّعِ “.
ـ شَرَعَ الرِّماحَ: سَدَّدَها، فهي شارِعَةٌ وشَوارِعُ وشُرَّع، وشَرَعْناها وأشْرعْناها فهي مَشْروعَةٌ ومُشْرَعَةٌ.
قال الشاعرابن الخياط :
“عِفْتَ الدنِيَّة َ والمنِيَّة ُ دُونَها … فَشَرَعْتَ فِي حدِّ الرِّماحِ الشُّرَّعِ ”
ـ شَرَعَ في الأَمْرِ: خاضَ،ولذا سُمِّيَت (الشَّرِيعةُ) و (المَشْرَعةُ) وهي مكان الماء الذي تخوض فيه الدواب،وكذلك هي موردُ الشَّارِبَة.
قال الشاعر جرير :
” إذا ما رَجا الظّمْآنُ وِرْدَ شَريعَةٍ … ضربنَ حبالَ الموتِ دونَ الشرائعِ “.
وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل .