لماذا تم نشر هيكلية الحشد الشعبي على وسائل الإعلام؟!
طيب العراقي
القواعد القانونية العقلائية المتسالم عليها؛ ترمي إلى توفير الحماية لمصالح المجتمع، وحقوق جماعاته وأفراده كهدفٍ أساس، لذلك فأن السرية من بين الوسائل والآليات التي يعتمد عليها المشرع، لحماية تلك المصالح من خلال القانون، في إسباغ الحماية لها إذا وجد أن العلانية تتسبب بالضرر، الأمر الذي يجد المشرع في الكتمان خير طريقة، يحقق من خلالها الحفاظ على المصالح والحقوق، لذلك يعد الالتزام بالمحافظة على الأسرار الوظيفية وعدم إفشائها، من الواجبات المهمة الملقاة على عاتق الموظف والمكلف بخدمة عامة.
قبل ذلك؛ فإن الالتزام بكتمان أسرار الدولة والوظيفة العامة، واجب وطني وأخلاقي، تقتضيه مبادئ الشرف الوظيفي والأمانة الشخصية، فالكتمان يكون فضيلة؛ إذا حصل في أمور تتطلب عدم إفشائها، لأن المصلحة المعتبرة، تستوجب عدم إظهارها للغير، لما قد يترتب على إفشاء هذه الأسرار، من الإضرار بمصالح الدولة والأفراد، إذ أن من أخطر الأمور على الدولة إفشاء أسرارها، فضلا عن أن الأضرار الناجمة عن كشف أسرار الدولة، أفدح من تلك التي تترتب على إفشاء الأسرار الشخصية، بسبب جسامتها وإتساع نطاقها.
من هنا حرصت جميع الدول في تشريعاتها، على تجريم إفشاء أسرارها، ضمن النص العام الوارد في قوانين العقوبات المعتمدة لديها، وكذلك التشديد على وجوب كتمانها، في القوانين والتعليمات الخاصة بالوظيفة، ورصدت لهذا السلوك العقوبات المناسبة، حسب أهمية السر الذي يتم إفشاؤه.
هيكلية أجهزة الدولة سر من أسرارها، التي يجب أن لا تكشف لأعداء الدولة، لأنهم بمعرفتهم إياها، يستطيعون النفاذ الى أسرارها، عبر نقاط الضعف الموجودة حتما فيها.
عالميا، تحرص المؤسسات العسكرية والأمنية لجميع دول االعالم، على عدم كشف بنيتها الهيكلية حتى الى منتسبيها، ولا يتاح ذلك إلا للمخولين فقط، فمعرفة البنية الهيكلية لتلك المؤسسات، اسهل طريق لإختراقها من قبل جواسيس الدول العدوة.
عراقيا؛ لا يعرف العراقيين أو سواهم هيكلية مؤسسات الدولة جميعا، فهيكلية الوزارات ليست معروفة أو معلنة للملأ، مع أن أغلبها مثبت بقوانين، هي التي تسير عمل مؤسسات الدولة.
أسباب عدم إعلان هيكلية وزارات الدولة كثيرة، بعضها أن الجمهور غير معني بها، مع العرض أن الإطلاع على هيكلية مؤسسات الدولة متاح للمعنيين بها، أو للمتخصصين والباحثين وبحدود ضيقة،
في قصة الأمر الديواني الخاص بهيكلية اهيئة الحشد الشعبي، والذي أعلن على نطاق واسع، وبرفقته مرتسم للهيكلية مصادق عليه من رئاسة الوزراء، جرى خرق واضح ومتعمد، لقواعد السلوك الوظيفي الخاص بأسرار الدولة، فلا رئاسة الوزراء ولا هيئة الحشد ذاتها، كانوا ملزميين أو مجبريين، على أطلاق الهيكلة الجديدة للحشد الشعبي؛ على الاعلام لعوام الناس، لان لا فائدة مطلقاً من الاشهار عنها!
لقد كان إعلان هيكلية الحشد بتفاصيلها الدقيقة، خدمة مجانية قدمت على طبق من ذهب، لإعداء العراق والحشد، وهو أمر خطير جدا، لا يجب أن ينظر اليه بإستهانة، أو أن يتعاطى معه إنطلاقا من أطروحة الشفافية الباهتة، التي تروج لها ديمقراطيتنا الهزيلة.
إنها جريمة تجسس علني و إفشاء أسرار، بكل المقاييس والإعتبارات، ومن أمر بها أو قام بها، لم يقم بها بنية سليمة، أو أنه غبي لا يعرف الحنطة من الشعير، ولكي نؤشر سوء النوايا، نشير الى أنه أدرجت في االهيكلية المعلنة، تفاصيل بنية دائرة الأستخبارات للحشد، الى مستوى الأقسام والشعب، وتشكيلات قيادات المناطق بمسمياتها ودد الويتها، وهو أمر له دلالته الخطيرة في عالم الأسرار.
ومن حقنا أن نتسائل؛ هل تم نشر هيكليات أجهزة وزارات الدفاع او الداخلية، او جهازي المخابرات والامن الوطني على وسائل الاعلام، بل ولا حتى تشكيلة وزارة الثقاافة والسياحة والآثار، بالطريقة الخبيثة التي تم نشر هيكلية الحشد بها؟!
إننا نعتقد أن السبب الرئيسي لتسريب الهيكلية وترويجها إعلاميا؛ كانت غايته واحدة، وهو ايصال معلومة مفادها؛ إلغاء منصب نائب رئيس الهيئة، المتمثل بالحاج أبو مهدي المهندس، للعوام متشفيين بهذا الشيء!
إنه ايضا الغباء المفضي الى الخيانة والعمالة !
ــــــــــــــــــــــ




