الجمعة - 06 نوفمبر 2026

في ذكرى الشهيد عز الدين سليم… من وجع الذاكرة..!

منذ ساعة واحدة
الجمعة - 06 نوفمبر 2026

عباس سرحان ||

 

 

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، دعانا الحاج الفاضل أبو عامر الحجاج إلى منزله في مخيم الشهيد غريبي، لنلتقي ضيفه وابن عمه، الشهيد عز الدين سليم (عبد الزهرة عثمان)، ابن ناحية الهوير شمال البصرة، المفكر الفذ والسياسي العتيد، أحد مفاخر البصرة وأركان المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق آنذاك.
كنا مجموعة قليلة من الشباب، وكان لقاءً ثريًا، استمعنا فيه لفكر استراتيجي عميق لم نسمعه من قبل. ولم نكن نعيه تمامًا ونحن في تلك المرحلة من العمر، تلهبنا ثورة المشاعر ونحسب أننا قادرون على تغيير الدنيا.
قسونا على الشهيد منتقدين اداء المجلس الاعلى، دون ان نعي حجم ما يحيط به من قيود ومحاذير دولية واقليمية.
كانت قسوة الجاهل في حضرة العارف، لكنه قابل قسوتنا بصبر الحكماء وتواضع العارفين وانتهى اللقاء وهو يكرر حرصه على ضرورة ان نتواصل معه.
والحقيقة انه كان أكرم وأحرص على التواصل معنا، وظل يبعث لي تحياته الحانية من خلال الحاج أبو عامر كلما زاره في طهران، حتى جاءني يومًا برسالة مكتوبة بخط يده، ما زلت أذكرها حرفًا حرفًا.
قال فيها:
“لا أخشى تأخر الإطاحة بصدام، فهو راحل لا محالة… لكن ما أخشاه هو الكيفية التي سيتعامل بها الشيعة مع التغيير.”
وضرب مثالًا من التاريخ:
عقب ثورة العشرين التي فجرها وقادها الشيعة بمرجعياتهم الدينية، وبعد ان أجبروا البريطانيين على الاعتراف بالعراق كدولة، رفض الشيعة المشاركة في العملية السياسية واختاروا الانسحاب، بذريعة عدم جواز العمل السياسي تحت ظل المحتل، فتم تهميشهم لأكثر من ثمانين عامًا، وتعرضوا خلالها لألوان الظلم والتنكيل.
كان الشهيد عز الدين يرى أن العمل السياسي أخطر وأصعب من العمل الجهادي، لأن هذا العمل هو لحظة تحويل التضحيات الى مكتسبات وطنية وشعبية، وكان يخشى ان يكرر الشيعة نفس الخطأ ولا يتوحدون حول مشروع يحفظ تضحياتهم ويحولها الى انجازات.
واليوم، بعد أكثر من سبعة وعشرين عامًا على تلك الرسالة، أجد كلماته تتردد في أذني وحين أقارنها مع الواقع أجدها كنبؤة لم تُقرأ جيدًا.
فالشيعة، بعد سقوط صدام، لم يستثمروا ما لحق بهم من ظلم، ولا ما خاضوه من جهاد، لتأسيس وجود سياسي قوي يليق بتضحياتهم ويحميهم من دورة جديدة للظلم.
لم يحوّلوا الدم إلى حصنٍ يقيهم من العصف التالي طالما انهم كانوا على الدوام هدفا للمؤامرات الدولية والاقليمية.
واجهوا المفخخات، وانتصروا على داعش، بينما اكتفى الآخرون المعنيون أكثر من الشيعة بالمواجهة، بمتعة المشاهدة من الغرف المكيفة، ومع ذلك شاركوا الشيعة في تقاسم النصر لا بل صاروا ينسبونه لأنفسهم.
كأن الشيعة يبذلون التضحيات في أصعب الظروف، دون أن يواكبها غطاء سياسي يحولها إلى مكتسبات، فتبدو وكأنها تضحيات ضائعة.
هذه الحقيقة المرّة يجب ان يدركها كل شيعي سواء كان سياسيا أم مواطنا عاديا لأنها سرّ بلاء الشيعة على مر التاريخ: (يجب ان يواكب التضحيات غطاء سياسي يحولها الى مكتسبات تنصف الطائفة وتحميها وتصون وجودها).