الجمعة - 06 نوفمبر 2026
منذ ساعتين
الجمعة - 06 نوفمبر 2026

سمير السعد ||

 

 

تحمل الحياة في طياتها أفراحاً تمنح الروح أجنحتها، وأوجاعاً تترك في أعماق الإنسان ندوباً لا تمحوها السنوات. وبين العلاقات الإنسانية، تبقى علاقة الأبناء بالوالدين أعمق من أن تختصرها الكلمات ، فالأم حضن الأمان ومصدر الحنان، والأب سند الحياة وظلها الوارف. وحين يرحل أحدهما، يشعر الإنسان أن جزءاً من روحه قد غادر معه، فكيف إذا اجتمع الفقدان ورحل الأب والأم معاً؟ عندها يصبح الحنين وجعاً يسكن القلب ويلازم الذاكرة مهما امتد العمر.

أتحدث عن هذا الوجع من تجربتي الشخصية ، فقد كان رحيل أبي صدمة أفقدتني طعم الحياة، وترك في داخلي فراغاً لا تملؤه الأيام. ثم جاءت وفاة أمي لتفتح جرحاً عميقاً ما زال ينزف في روحي حتى اليوم. أحاول أمام إخوتي وأخواتي أن أبدو قوياً، وأن أخفي انكساري خلف ملامح الثبات، لكنني في أعماقي أشعر كطفل فقد حنان والديه، وكأن اليتم رافقني منذ طفولتي حتى بعد أن كبرت. فهناك أوجاع لا يراها الناس، لكنها تسكن القلب وترافق الإنسان في وحدته وصمته.

إن منزلة الوالدين في حياة الأبناء لا تعادلها منزلة ، فهما أصل الحكاية، وأول من يزرع الحب والقيم والتضحية. وقد جعل الله برهما من أعظم أبواب الخير، فقال تعالى: ( وبالوالدين إحسانا ). وهذا التوجيه الإلهي يتجاوز الطاعة إلى الرحمة وحسن المعاملة وخفض الجناح لهما، والحرص على رضاهما في المعروف، وتجنب كل قول أو فعل يكسر خاطرهما.

ومن المؤلم أن ينشغل بعض الأبناء بمتاعب الحياة، فيؤجلون زيارة والديهم أو الاتصال بهما، ظناً منهم أن الوقت ما زال متاحاً للتعبير عن المحبة. ثم تأتي لحظة الفقد، فيكتشفون أن كلمات تأخرت، وقبلات لم تُمنح، وجلسات أُهملت، تحولت إلى حسرة لا يعوضها الندم. إن بر الوالدين فرصة عظيمة للتقرب إلى الله، وباب لنشر الرحمة داخل الأسرة، وعنوان للأصالة والوفاء.
وقد عبّر الشاعر أبو العلاء المعري عن قسوة الفقد وحقيقة الرحيل بقوله:
“صاحِ هذي قبورُنا تملأُ الرُّحْبَ
فأينَ القبورُ من عهدِ عادِ “.

وتذكرنا هذه الأبيات بأن الرحيل حقيقة تطال الجميع، وأن الأحبة الذين نؤجل التعبير عن محبتنا لهم قد يصبحون يوماً ذكريات لا نستطيع استعادتها.

أخيراً، يا أبناء اليوم وآباء الغد، اغتنموا وجود والديكم، وقبّلوا أيديهما، وأحسنوا إليهما، واجعلوا رضاهما طريقاً إلى رضا الله. فمن رزقه الله والدين على قيد الحياة فقد امتلك كنزاً يستحق الشكر والرعاية، ومن فقدهما فليكثر لهما من الدعاء والصدقة، وليحفظ سيرتهما بالخير والوفاء.

رحم الله آباءنا وأمهاتنا، وجعل برهما نوراً في حياتنا، ودعاءنا رحمة لهما بعد الرحيل.