مركز الترميز الوطني العراقي بوابة العراق اللوجستية..!
ضياء أبو معارج الدراجي ||

لم تعد الحروب تُدار في ميادين المواجهة بالبندقية والعتاد وحدهما، بل أصبحت المعلومات وقواعد البيانات وأنظمة الترميز والأتمتة جزءاً أساسياً من إدارة القوة العسكرية وكفاءة مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، تأتي أهمية تفعيل مركز الترميز الوطني في وزارة الدفاع العراقية، بوصفه خطوة استراتيجية تتجاوز حدود التنظيم الإداري التقليدي، لتؤسس لمرحلة جديدة في إدارة الموارد والتجهيز، وتفتح أمام العراق آفاقاً واسعة للتعامل مع المنظومات الدولية وفق معايير موحدة.
يقوم هذا المشروع على اعتماد نظام الترميز العالمي (NATO Codification System)، الذي يمنح كل قطعة سلاح أو عتاد أو مادة احتياطية أو تجهيز فني رقماً تعريفياً معيارياً موحداً، لتكون لكل مادة هوية رقمية خاصة يمكن من خلالها تحديد مواصفاتها الفنية ومصدرها واستخداماتها. وبذلك تنتقل المؤسسة العسكرية من تعدد التسميات واختلاف أساليب التصنيف إلى قاعدة بيانات موحدة، تحد من ازدواجية الطلبات وتضارب المواصفات، وتمنح القيادات المختصة رؤية دقيقة عن الموجودات والمخزون وحركة التجهيز والاحتياجات الفعلية.
وتكمن أهمية هذا النظام في قدرته على ضبط الموارد وحماية المال العام، من خلال معرفة الموجودات الفعلية، ومراقبة حركة المواد والمخازن، وتحديد الاحتياجات وفق بيانات دقيقة، بعيداً عن التقديرات العشوائية والاجتهادات الإدارية. كما يسهم في تقليل الهدر وتكرار عمليات الشراء، ويجعل التخطيط للتجهيز أكثر كفاءة وارتباطاً بمتطلبات العمل الميداني.
وفي مجال التسليح والتجهيز، يمنح الترميز الوطني العراق لغة فنية موحدة للتعامل مع الشركات والمصنعين والمجهزين الدوليين. فعندما تُحدد المادة المطلوبة برقم المخزون الوطني (NSN)، تصبح مواصفاتها أكثر وضوحاً ودقة، وتقل احتمالات الاختلاف أو الخطأ في عمليات الشراء والتجهيز، فضلاً عن اختصار الوقت والإجراءات الإدارية والمالية المرتبطة بالتعاقدات.
لكن الأهمية الحقيقية لهذا المشروع لا ينبغي أن تتوقف عند حدود وزارة الدفاع، ولا أن تبقى محصورة في المؤسسة العسكرية والأمنية، بل يجب أن تكون تجربة وطنية قابلة للتعميم على جميع وزارات ومؤسسات الدولة، الأمنية منها والمدنية.
فوزارة الداخلية، والأجهزة الأمنية والاستخبارية، والمؤسسات الصحية، ووزارات الكهرباء والنفط والنقل والاتصالات، وسائر مؤسسات الدولة، جميعها تمتلك مخازن ومعدات وآليات وأجهزة ومواد تشغيلية واحتياجات متجددة تتطلب نظاماً موحداً لإدارتها ومراقبتها. ومن هنا يمكن أن يتحول مركز الترميز الوطني إلى نواة لمنظومة حكومية شاملة، تعتمد قاعدة بيانات مترابطة ومعايير موحدة لتصنيف الموجودات وإدارة المخزون وتنظيم عمليات الشراء والتجهيز.
إن تعميم هذه التجربة سيمنح الحكومة قدرة أكبر على معرفة ما تمتلكه مؤسساتها، وما تحتاج إليه فعلياً، وما يمكن توفيره من خلال إعادة توزيع الفائض بين الوزارات بدلاً من اللجوء إلى شراء مواد ومعدات موجودة أصلاً في مخازن مؤسسات أخرى. وهذا يعني تقليل الإنفاق الحكومي، والحد من الفساد والهدر، وتعزيز الشفافية والرقابة، ورفع كفاءة إدارة المال العام.
أما على مستوى الصناعة الوطنية، فإن اعتماد نظام الترميز الدولي يفتح آفاقاً مهمة أمام المنتجات العراقية العسكرية والمدنية ذات الاستخدام المزدوج، سواء التي تنتجها هيئة التصنيع الحربي أو الشركات والمصانع الوطنية. فحصول المنتجات على أرقام تعريف دولية معتمدة يسهل إدراجها ضمن قواعد البيانات ومنظومات التجهيز الدولية، ويمنحها فرصة أكبر للوصول إلى الأسواق الخارجية والمشاركة في سلاسل التوريد العالمية.
وهنا تبرز فرصة استراتيجية أمام العراق للانتقال من دولة تعتمد بصورة كبيرة على استيراد المعدات والمواد والتجهيزات إلى دولة قادرة على الإنتاج والمنافسة والتصدير، مستفيدة من إمكاناتها الصناعية وخبراتها الوطنية، ومن منظومة دولية تتيح التعريف بمنتجاتها وفق مواصفات ومعايير معترف بها.
إن تفعيل مركز الترميز الوطني يجب أن يُنظر إليه باعتباره مشروعاً وطنياً يتجاوز وزارة الدفاع، وتجربة إدارية وتقنية يمكن أن تشكل أساساً لتحديث مؤسسات الدولة كافة. فالدولة الحديثة لا تُدار بكثرة المخازن والموجودات، وإنما بقدرتها على معرفة ما تمتلكه، وكيف تديره، ومتى تحتاج إليه، وكيف تستثمر موارده بأعلى كفاءة ممكنة.
إننا أمام فرصة لبناء منظومة عراقية متكاملة لإدارة الموجودات والتجهيز، تبدأ من المؤسسة العسكرية وتمتد إلى جميع الوزارات والمؤسسات الأمنية والمدنية، وصولاً إلى دعم الصناعة الوطنية وربطها بالأسواق الدولية.
فالسلاح يمنح القوة، والمعرفة تضبط استخدامها، والتنظيم يحمي موارد الدولة. ومن يمتلك القدرة على إدارة موارده وفق لغة العالم ومعاييره، يمتلك إحدى أهم أدوات السيادة والاستقلال وبناء المستقبل.
ضياء ابو معارج الدراجي




