الشاه الأسود: من النجف إلى قيادة ثورة إيران..!
د. علي المؤمن ||

لم يكن السيد عبد الله البهبهاني الغريفي الموسوي، الذي أطلق عليه الإيرانيون بعد عام 1907 لقب «الشاه الأسود»، مجرد عالم دين نجفي انتقل إلى إيران وأصبح قائد ثورتها الدستورية، بل كان نموذجاً للشخصية الإسلامية العابرة للحدود، وتجسيداً لطبيعة الاجتماع الديني الشيعي العالمي، الذي تتجاوز مؤسساته ومرجعياته وشبكاته الاجتماعية الحدود الجغرافية والقومية والسياسية، وتستطيع تحويل مكانتها الدينية والعلمية إلى قوة اجتماعية وسياسية مؤثرة في الدولة والمجتمع.
وتبدأ حكاية السيد عبد الله من مدينة كربلاء، حيث هاجر جده الأعلى، السيد حسين الغريفي، إلى البحرين سنة 1520، واستقر في قرية «غريفة»، التي حملت أسرة آل الغريفي اسمها. ثم هاجر حفيده، السيد عبد الله البلادي الغريفي، الذي كان أبرز علماء البحرين وزعمائها، إلى مدينة بهبهان الإيرانية، إثر الصراعات التي شهدتها البحرين والغزو العماني لها. وبعد ذلك، انتقل حفيده، السيد إسماعيل المجتهد الغريفي، من بهبهان إلى النجف، وتزوج فيها، ووُلد له سنة 1840 ولدٌ سمّاه عبد الله، الذي عُرف لاحقاً بالبهبهاني، نسبةً إلى مدينة بهبهان التي كان يسكنها أبوه.
وقد تبلورت شخصية السيد عبد الله البهبهاني الغريفي داخل المنظومة النجفية، بكل تفاصيلها الدينية والعلمية والاجتماعية والسياسية، حين تتلمذ في النجف على كبار فقهائها، وفي مقدمتهم الشيخ مرتضى الأنصاري والميرزا محمد حسن الشيرازي. ولم يكن تكوينه الحوزوي مجرد تحصيل للفقه والأصول، بل انتماءً إلى مدرسة علمية واجتماعية رسّخت لديه مفهوم مسؤولية العالم الديني تجاه قضايا المجتمع، ومواجهة الظلم والاستبداد، وعدم حصر وظائف المؤسسة الدينية في التعليم والإفتاء والشعائر.
وحين انتقل إلى إيران، وهو في سن الأربعين تقريباً، أقام في قم أولاً، ثم في طهران، وكان يحمل معه رصيده العلمي والاجتماعي النجفي، وتحول تدريجياً إلى زعيم شعبي واسع النفوذ. وقد تجلّى هذا النفوذ حين تصدّر الثورة الدستورية الإيرانية، المعروفة بثورة المشروطة، التي أفضت سنة 1906 إلى تأسيس مجلس الشورى وإقرار الدستور، في محاولة تاريخية لتقييد السلطة المطلقة، وإخضاع الحكم للقانون، وإشراك المجتمع في القرار السياسي.
وخلال الفترة من عام 1907 حتى عام 1910، كان آية الله السيد عبد الله البهبهاني الغريفي بمثابة الولي الفقيه في إيران، حيث لم يكن تعيين رئيس الوزراء والوزراء، وتمرير التشريعات، وتسيير شؤون الدولة والجيش، يتم دون إذنه، حتى بات صاحب السلطة الحقيقية في البلاد. أما شاه إيران الرسمي، فقد كان يمارس سلطة فخرية، حتى أطلق الإيرانيون على السيد عبد الله لقب «الشاه الأسود» (شاه سياه)، في إشارة إلى سمرته وملامحه البحرانية من جهة، وإلى مكانته التي جعلته أشبه بملك غير متوّج من جهة أخرى، مقابل الشاه الرسمي الذي كان ذا بشرة شديدة البياض.
والمفارقة الأهم في لقب «الشاه الأسود» أن البهبهاني لم يستمد سلطته من الدولة والبلاط والجيش، وإنما من موقعه الديني والتفاف الجمهور حوله. فقد أصبح يمثل سلطة دينية واجتماعية وسياسية موازية للسلطة الملكية، تستند إلى الشرعية الدينية والشعبية، وتستطيع التفاوض مع الحاكم ومواجهته والحد من استبداده.
وهنا تتضح إحدى الخصائص الأساسية للاجتماع الديني الشيعي؛ فهو ليس جماعة عقدية تقتصر وظائفها على العبادة والشعائر، بل منظومة اجتماعية تمتلك مؤسسات وقيادات وموارد وشبكات تضامن، يمكن أن تتحول، في ظروف معينة، إلى قوة سياسية تسهم في إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع. غير أن هذه القدرة لا تعني أن الاجتماع الديني الشيعي كان حينها كتلة سياسية واحدة، أو أن علماءه كانوا يتبنون مواقف متطابقة؛ فقد كشفت ثورة المشروطة عن اختلافات فقهية وسياسية عميقة داخل المؤسسة الدينية بشأن الدستور والسلطة وحدود المشاركة السياسية، فضلاً عن الصراعات الداخلية والتدخلات الأجنبية التي رافقت الثورة، وانتهت حياة البهبهاني في خضمها باغتياله سنة 1910.
وهكذا، اجتمعت في شخصية السيد عبد الله البهبهاني الجذور البحرانية، والنشأة العراقية، والتكوين الحوزوي النجفي، والدور السياسي الإيراني، في مسار عائلي امتد عبر أجيال، وتنقّل بين كربلاء والبحرين وبهبهان والنجف وطهران. ولم يكن هذا الامتداد استثناءً في التاريخ الشيعي، بل تعبيراً عن طبيعة اجتماعه الديني، الذي ظلت روابطه العقدية والفقهية والعلمية تتجاوز حدود الدول.
فالحوزة العلمية والمرجعية الدينية، والأسر العلمية، وشبكات العلماء والوكلاء والمؤسسات الدينية، تشكّل منظومة اجتماعية مترابطة، تمتلك مصادر شرعيتها واستقلالها الديني والسياسي والمالي عن الدولة، وتتيح انتقال المعرفة والنفوذ والتأثير بين المجتمعات الشيعية المختلفة.
.
———————-




