خربشات من الذاكرة.. الجزء الثالث: حين رفعنا الرايات البيضاء..!
أمين السكافي ||

كنت أرقب الحركة الخفيفة في الشارع، وأتابع الجيران وهم يتنقلون في المكان، كلٌّ يسعى وراء أمرٍ ما، في مشهدٍ بدا عادياً على نحوٍ غريب، وكأن الحياة تحاول أن تتمسك ببعض تفاصيلها الصغيرة رغم أن الموت كان يتهيأ لاقتحامها. لم أكن أدرك أن المسافة الفاصلة بيني وبين المجهول لا تتجاوز لحظات، وأن طفلاً في الثانية عشرة من عمره سيحمل بعد دقائق صورة لن تفارقه مهما تعاقبت السنوات.
وفجأة، لمحت شيئاً يشبه كتلة من اللهب، شهاباً نارياً يهبط من السماء، ليستقر على الأرض على مسافة تقارب سبعين متراً مني. لم أملك الوقت حتى لأفهم ما أراه. دوّى الانفجار، وكانت قوته كافية لتقذف بي في الهواء، قبل أن أستعيد وعيي على صوت أبي يناديني، بصوت لم أعهده منه من قبل؛ صوتٍ يرتجف خوفاً، وكأن قلبه سبق قدميه إليّ.
ركضت باتجاه المحل، حيث كان أبي وبعض الجيران يحاولون الاحتماء. تكاتفنا جميعاً، أنا وأبي وامرأة من جيراننا وابنها، وجار لنا يسكن في البناء نفسه، نحاول أن نجد لأنفسنا مساحة صغيرة نختبئ فيها من جنون السماء. لم نكن نملك سلاحاً ولا وسيلة دفاع، ولم يكن في أيدينا سوى أجسادنا وبعضنا بعضاً، فيما بدأت حفلة من القصف المجنون، جعلت الجدران ترتجف، والأرض تهتز، والأشياء تتساقط من أماكنها، وكأن المدينة بأكملها دخلت في مخاض الموت.
بقينا على تلك الحال حتى خفّ القصف، ثم اندفعنا نحو الملجأ بحثاً عن شيء من الحماية والأمان. سرنا فوق الأحجار والزجاج المتناثر والردم، فيما كانت العائلة تنتظرنا هناك. استقبلونا بفرح امتزج بالذهول والخوف، فقد كانوا قد فقدوا الأمل في عودتنا، وظنوا أننا ربما قضينا تحت الأنقاض.
ولليوم، وبعد ما يقارب أربعة وأربعين عاماً، لا أعرف على وجه اليقين ما كانت تلك الكتلة النارية التي رأيتها تسقط أمام عيني. أكانت صاروخاً أطلقته طائرة حربية؟ أم قذيفة من بارجة بحرية؟ أم سلاحاً آخر من ترسانة الموت الإسرائيلية؟ لا أعرف. لكنني أعرف أن صورتها بقيت محفورة في ذاكرتي، وأنها كانت أول درس عملي أتلقاه في معنى الحرب، حين يكتشف الإنسان أن حياته قد تتوقف في لحظة، من دون أن يعرف حتى اسم السلاح الذي استهدفه.
بقينا في الملجأ يومين أو ثلاثة، لا أذكر تحديداً. فالزمن في الملاجئ لا يُقاس بالساعات والأيام، بل بعدد الانفجارات، وبحجم الخوف الذي يتراكم في صدور الناس. هناك تتشابه الليالي، وتفقد الساعات معناها، ويصبح مجرد سماع صوت مألوف من أحد أفراد العائلة نعمة تستحق الحمد.
في تلك الأيام لم تكن هناك مقاومة بالمعنى الفعلي والعملي الذي عرفناه لاحقاً، ولم يكن ثمة ما يستطيع منع القوات الإسرائيلية من التقدم نحو صور والنبطية وجزين وصيدا، ثم مواصلة زحفها باتجاه تخوم بيروت، قبل أن تتوقف لفترة عند مثلث خلدة، حيث واجهتها مجموعات من المجاهدين وكبدتها خسائر كبيرة. وكان أولئك المقاتلون، بما امتلكوه من إرادة وإيمان، نواة مرحلة جديدة ستغيّر وجه لبنان والمنطقة، وتفتح فصلاً مختلفاً في تاريخ الصراع مع الاحتلال.
لكن قبل أن يولد ذلك الفصل، كان علينا أن نعيش فصلاً آخر، عنوانه الخوف والعجز والانكسار.
كانت الدنيا قد أظلمت عندما صعد أحد الأشخاص إلى أعلى المبنى، وعلى ما أذكر كان صهراً لإحدى العائلات في المنطقة، ليرفع علماً أبيض فوق البناء. لم نكن نعرف ماذا سيحدث بعد ذلك، لكننا كنا ندرك أن الراية البيضاء قد تكون آخر ما يستطيع الإنسان تقديمه مقابل الاحتفاظ بحياته.
وبعد فترة، سمعنا وقع أقدام تقترب، أعقبته بضع طلقات من الرصاص. عندها وقف جميع الموجودين في الملجأ، في مشهد لا أزال حتى اليوم عاجزاً عن تحديد طبيعته: أكان مثيراً للضحك أم للحزن؟ أكان مشهداً للذل أم للخوف المشروع من الموت؟
وقف الجميع يصرخون، ويرفعون ما تيسر لهم من قطع القماش البيضاء، معلنين الاستسلام والطاعة، وكأننا نحاول أن نقول للقوة القادمة إننا لسنا طرفاً في معركتها، وإننا لا نملك سوى رغبتنا البسيطة في البقاء على قيد الحياة.
كان المشهد قاسياً على طفل لم يكن يعرف بعد معنى الاحتلال، لكنه بدأ يفهم أن الإنسان قد يُجبر، تحت تهديد الموت، على التخلي عن كبريائه، وأن الخوف حين يحاصر الناس لا يترك لهم دائماً رفاهية الاختيار. لم يكن أحد منا يبحث عن بطولة في تلك اللحظة؛ كنا نبحث عن صباح جديد.
أبقانا الإسرائيليون في الملجأ حتى صباح اليوم التالي، ثم طلبوا منا الخروج واحداً تلو الآخر. وهكذا بدأت رحلتي الحقيقية في معرفة الإسرائيلي، لا من خلال الكتب ولا نشرات الأخبار ولا أحاديث الكبار، بل من خلال تجربة مباشرة، ومن خلال عين طفل رأى كيف يدخل المحتل إلى حياة الناس، وكيف تتحول البيوت الآمنة إلى أماكن للرعب، وكيف يصبح الخروج من الملجأ امتحاناً جديداً للحياة.
كانت صيدا قد دفعت ثمناً باهظاً من دم أبنائها، وسقط ما يقارب ألفي شهيد مدني، بغالبيتهم، وفق ما بقي في ذاكرتي من روايات تلك المرحلة، قبل أن يُواروا الثرى في المكان الذي أصبح يُعرف لاحقاً بساحة الشهداء.
وهنا، لا بد من التوقف قليلاً أمام معنى الذاكرة. فالمدن لا تتذكر الحروب كما تتذكرها الخرائط، ولا تحفظ أسماء الجيوش كما تحفظها كتب التاريخ. المدينة تتذكر أبناءها الذين لم يعودوا، والأمهات اللواتي انتظرن خلف الأبواب، والبيوت التي أُطفئت فيها الضحكات، والأطفال الذين كبروا قبل أوانهم لأن الحرب قررت أن تسرق منهم حق الطفولة.
أما أنا، فقد خرجت من ذلك الملجأ بذاكرة لم تعد تشبه ذاكرة الطفل الذي دخله. لم أكن قد فهمت السياسة، ولا طبيعة الصراع، ولا الأسباب التي جاءت بالجيش الإسرائيلي إلى مدينتي. لكنني فهمت شيئاً واحداً: أن هناك قوة تستطيع أن تقتحم حياتك، وتنتزع منك شعورك بالأمان، وتفرض عليك مشهد الاستسلام، ثم تترك في داخلك أسئلة لا تنتهي.
ولعل أكثر ما بقي عالقاً في نفسي أنني، في ذلك العمر، لم أكن أبحث عن عدو ولا عن انتصار؛ كنت أبحث فقط عن أبي، وعن عائلتي، وعن مكان أستطيع أن أنام فيه دون أن تهتز الجدران فوق رأسي.
لكن التاريخ لا يستأذن الأطفال حين يقرر المرور من حياتهم. إنه يترك في أرواحهم شظايا لا تقل إيلاماً عن شظايا القذائف، ثم يمضي، تاركاً لهم مهمة فهم ما حدث، والبحث عن المعنى خلف الركام.
وهكذا، لم تكن تلك الراية البيضاء نهاية الحكاية، بل كانت بداية سؤال ظل يرافقني: كيف يمكن لشعبٍ أن ينتقل من لحظة الاستسلام تحت وطأة الخوف إلى زمن المقاومة ورفض الاحتلال؟
وللذاكرة بقية…




