الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026

المقاومة الثقافية.. الحرب الأميركية على إيران لتقرير مصير المنطقة..!

منذ 59 دقيقة
الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026

د. نسيب حطيط ||

 

 

يعيش العالم حالة انتظار وترقب للمعركة الحاسمة والمفصلية في صراع المشاريع الجيوسياسية الهادفة لإعادة هيكلة ورسم الكيانات والنفوذ في منطقة الشرق الأوسط، بعد عقود من حرب الاستنزاف المستمرة بين المحور الأمريكي-الإسرائيلي وحلفائه لإقامة “إسرائيل الكبرى” والشرق الأوسط الأمريكي الجديد، وبين محور المقاومة الذي يحاول حفظ هوية المنطقة الدينية والثقافية، وتحرير فلسطين، ومنع تجريف ثقافة المقاومة والصمود، وحفظ القرار المستقل، وتثبيت منظومة “ولاية” دول المنطقة وشعوبها على أنفسهم وحرية تقرير مصيرهم وإدارة شؤونهم السياسية واستثمار ثرواتهم بعيدًا عن مصادرتها بالاحتلال الإسرائيلي والغزو الأمريكي أو السيطرة بالقوة والإكراه.
إن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران ليست حرباً بين دولٍ تتنازع على مصالح محدّدة ومحصورة، وإنما هي معركة بين مشروعين ورؤيتين حضاريتين، رغم ساحتهما الجغرافية الموضعية، إلا أن لهما تداعياتهما وتردداتهما العالمية اقتصادياً وسياسياً؛ بما يتشابه مع الحرب الأمريكية-الغربية على الاتحاد السوفياتي السابق والكتلة الشرقية، والتي انتهت بانتصار المحور الغربي وتفكيك منظومته وحلف “وارسو” وتقسيم وتقاسم دوله وموقعه السياسي العالمي. وكذلك فإن الحرب على إيران، ورغم موضعيّتها الجغرافية وأهدافها المباشرة المعلنة لمنع البرنامج النووي الإيراني دون مبرر قانوني، تأتي لتكرار المخطط ذاته. والأسوأ أن إسرائيل النووية المحتلة تريد منع إيران من امتلاك السلاح النووي بالتعاون مع أمريكا التي ارتكبت أول جريمة نووية في العالم بقصفها اليابان، وبالتضامن مع الدول الأوروبية النووية أيضاً؛ فإذا كان هذا السلاح غير أخلاقي وغير قانوني، فلماذا خالفت هذه الدول القوانين الدولية بامتلاكه وتجاوزتها بالتدخل في القرارات السيادية الإيرانية التي تحفظ أمنها وسيادتها ومصالحها؟
تعتمد أمريكا استراتيجية وحدة ساحات أدواتها وحلفائها من المؤسسات الدولية والأنظمة والأحزاب والجماعات التكفيرية والشخصيات الثقافية والإعلامية لمحاصرة محور المقاومة، وفرض تجزئة ساحاته للقضاء عليها بالتسلسل، وفق حركة تساقط “أحجار الدومينو” وقد دفع المحور نتيجة تفريطه بوحدة ساحاته أثمانًا كبرى ،نتيجة عدم تكافؤ القوى وانحياز أغلب العرب للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي ، فأُبيدت غزة، وأُنهكت المقاومة اللبنانية، وسقطت سوريا، وتم تحييد العراق وتعود أمريكا الآن لتكرار خططها بتوحيد ساحاتها ومنع وحدة الساحات للمقاومة، وخاصة تحييد وعزل المقاومة اللبنانية، لخصوصية واستثنائية جبهة لبنان التي لا زالت رغم كل ما أصابها من قتل وتدمير وتجريف وتهجير ، تمثل القوة الأساسية التي تستطيع الضغط ومشاغلة العدو الإسرائيلي في خاصرته الضعيفة في مستوطنات الشمال، فبعض الضربات المتواضعة من لبنان تعادل الصواريخ الإيرانية المتطورة والضخمة التي تصيب تل أبيب.
تعيش المقاومة اللبنانية صراعًا ذاتياً قاسيًا حول موقفها من المشاركة أو عدمها في حال وقوع الحرب على إيران؛ وهي تميل إلى عدم المشاركة خوفًا وحرصًا على أهلها، لتتجنّب تحميلهم أثمانًا وخسائر تضاف إلى ما دفعوه ولا زالوا يدفعونه من أرواح وعمران وأمان، لكنها إن أعلنت عدم مشاركتها دون تحصيل أي مقابل من العدو لجهة وقف العدوان أو الانسحاب، تكون قد قدّمت هدية مجانية كبرى للعدو، فضلاً عن خسارتها لأن تكون جزءاً من أي تفاوض إيراني-أمريكي (كما كان الأمر في مذكرة “إسلام آباد”)، مما يتركها وحيدة ومُستفردة في الميدان دون حصانة أو ضامن، ويُسهل على التحالف الأمريكي-الإسرائيلي والسلطة اللبنانية إطباق الخناق عليها.
والأسوأ من ذلك… ماذا لو استغل العدو الإسرائيلي عدم مشاركة المقاومة والانشغال العالمي بالحرب، وفاجأ المقاومة باستكمال اجتياحه كما يهدد، سواء أثناء الحرب أو بعدها، ولا سيما إذا كانت نتائج المعركة لصالح التحالف الأمريكي-الإسرائيلي؟
العاقل من يحتاط ويحذر ويستعد ويتهيأ وهو يجاور الأفاعي الإسرائيلية والأميركية واللبنانية والمُنصف الحريص لا يضغط على المقاومة ويساهم بحصارها وتحميلها مسؤولية الحرب، بينما يغيّب بقصد أو بغير قصد مسؤولية وأطماع العدو الإسرائيلي والاحتلال الأمريكي الذي يتحكم بالقرار اللبناني لتأمين مصالح إسرائيل على حساب اللبنانيين من بوابة اجتثاث المقاومة وفكرها وثقافتها.
إن أخطر وأقذر مشهديات هذه الحرب هو تحوّل الشعوب العربية والإسلامية إلى قطعان بشرية “مسيّرة” ومقيّدة، ينحصر طموحها بالعيش الذليل والتنازل عن المشاركة في معركة تقرير مصيرها، بينما تتحمل قلّة قليلة من شرفاء هذه الأمة الدفاع عن الدين والجغرافيا والهوية، فيحاربها الأعداء ويغدر بها ويطعنها العبيد من غالبية الحكام والجماعات التكفيرية وعلماء السلاطين!

إن المعركة ليست مجرد نزاع عسكري او سياسي ، بل هي معركة لحفظ الدين والقيم الأخلاقية ورفض التدجين الثقافي والفكري ولا تضغطوا على المقاومة، فقرار الحرب ليس بيدها ولا بيد إيران.. بل اضغطوا على المحتلين والمستعمرين الذين يمسكون بقرار الحرب ويحتلون الأرض ويصادرون القرار اللبناني!
د.نسيب حطيط