الأحد - 01 نوفمبر 2026
منذ 3 ساعات
الأحد - 01 نوفمبر 2026

أمين السكافي ||

 

 

ليست المنطقة اليوم أمام جولة جديدة من التصعيد فحسب، بل أمام لحظة تاريخية تختلط فيها حسابات الحرب بإرادة البقاء، وتتقاطع فيها الدبلوماسية مع لغة الصواريخ، وتصبح فيها الكلمة التي تصدر عن طهران أبعد من مجرد موقف سياسي، لأنها تعكس حجم ما تراكم من صراع بين مشروعين يريد كل منهما أن يرسم مستقبل الشرق الأوسط على صورته.
في طهران، يبدو أن القيادة الإيرانية تدرك أن الهدوء القائم ليس سلاماً، وأن الرسائل الأميركية لا تعني بالضرورة أن واشنطن تخلّت عن خيار القوة. فالرئيس دونالد ترامب يترك باب المفاوضات مفتوحاً، لكنه لا يغلق باب الحرب، فيما تلوّح إدارته بإمكانية العودة إلى الضربات بعد الانتخابات النصفية الأميركية في الثالث من تشرين الثاني. وبين هذين البابين تقف المنطقة كلها، وكأنها تنتظر قراراً قد يغيّر وجهها لسنوات طويلة.
لم تكن تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عابرة حين تحدث عن الرسالة التي بعث بها نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، واعتبر أن تغير النبرة الأميركية خطوة إيجابية يمكن البناء عليها، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن تكون الرسالة محاولة لإثارة الانقسام داخل إيران. هنا تكمن المفارقة: طهران لا ترفض الدبلوماسية، لكنها لم تعد مستعدة لأن تدخلها من موقع الطرف الذي يُملى عليه ما يجب أن يفعله.
فالرسالة الأميركية، مهما حملت من عبارات مختلفة عن الخطاب السابق، لا تمحو تاريخاً من المواجهة، ولا تلغي حقيقة أن إيران خرجت من حرب مدمرة وهي أكثر حساسية تجاه أمنها وسيادتها. ولذلك فإن عراقجي يفاوض، لكنه يفاوض من خلفية أن بلاده لن تقبل أن تتحول المفاوضات إلى استسلام سياسي مؤجل.
أما الحدث الأبرز، فهو ما صدر عن المرشد الأعلى السيد مجتبى خامنئي، حين وجّه القيادة العسكرية إلى أن أي تهديد أو اعتداء أميركي أو إسرائيلي يجب أن يقابل برد فوري ومؤثر، من دون قيود جغرافية. ولم تكن هذه العبارة مجرد خطاب تعبوي؛ فقد جاءت في سياق اجتماع مع كبار القادة العسكريين، وتوجيهات بتحديث بنك الأهداف ليشمل مختلف الأصول المادية وغير المادية للعدو.
وهنا نستعيد معنى العبارة التي تحملها الذاكرة السياسية: «أمر اليوم الأمر لي». ليست المسألة أن قائداً يريد أن يثبت حضوره بالكلمات، بل أن قيادة جديدة تريد أن تقول إن انتقال السلطة لم ينتج فراغاً، وإن اغتيال القائد السابق لم ينهِ الدولة ولا مشروعها ولا قدرتها على اتخاذ القرار. المجتبى يرسل رسالة إلى الخارج، لكنه يخاطب الداخل الإيراني أيضاً: الدولة مستمرة، والقرار موحد، والرد لن يكون بالضرورة محصوراً في المكان الذي يبدأ منه العدوان.
لكن هل يعني ذلك أن إيران أنهت استعدادها للحرب؟ ما يمكن قوله بدقة أن طهران تعلن رفع الجاهزية، لا أن أحداً خارج مؤسساتها يستطيع الجزم بأنها استكملت كل ما تحتاج إليه. فقد تحدث القادة أمام المرشد عن جاهزية القوات على سواحل الخليج ومضيق هرمز وبحر عُمان والحدود، وعن زيادة كبيرة في إنتاج الذخائر ومنظومات الاستطلاع والدعم والقتال. وهذه مؤشرات إلى تعبئة عسكرية جدية، لكنها لا تكشف وحدها عن مخزون الصواريخ، أو قدرة الدفاعات على مواجهة هجوم واسع، أو حجم الأضرار التي خلّفتها الحرب السابقة.
وفي الداخل، تبدو القيادة حريصة على إظهار التماسك خلف المرشد الجديد. اجتماع مجتبى خامنئي بالقادة العسكريين، وإشادته بصمود القوات والجبهة التي تسميها طهران جبهة المقاومة، رسالتان بأن مؤسسات الدولة لم تتفكك بعد اغتيال علي خامنئي. لكن وحدة الموقف الرسمي لا تعني أن المجتمع الإيراني بلا تباينات؛ فالإيرانيون يواجهون أيضاً أعباء الحرب والعقوبات والاقتصاد، ويريد كثيرون منهم الأمن والحياة الكريمة بقدر ما يريدون صون السيادة.
أما الخليج العربي، فليس كتلة واحدة في حساباته، وإن اجتمعت دوله على الخوف من اتساع الحرب. في المنامة، دعا مجلس التعاون طهران إلى التجاوب مع جهود السلام، مؤكداً أن الدبلوماسية تحتاج إلى شركاء يبادلونها الخطوة. البحرين تحدثت عن إطار أمني إقليمي يحترم السيادة وحرية الملاحة، فيما أبدت الإمارات أملها في اختراق دبلوماسي، مع استعدادها لأسوأ الاحتمالات. والسعودية حذرت من تهديد الممرات البحرية والهجمات الحوثية.
وهل تشتعل جبهات المحور إذا اندلعت الحرب الكبرى؟ الاحتمال قائم، لكنه ليس قراراً آلياً ولا حقيقة محسومة. لبنان والعراق واليمن ساحات مختلفة، لكل منها حساباته وقدراته وكلفته الوطنية. وقد شدد مجتبى خامنئي على وحدة الجبهات، لكن ذلك لا يثبت أن كل طرف سيتحرك بالتوقيت نفسه أو بالمدى نفسه. إن اتساع المواجهة قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها، ويضع المدنيين قبل العسكريين في قلب الكارثة.
المنطقة، إذاً، على فوهة بركان، لكن البركان لم ينفجر بعد. مفاوضات الدوحة مستمرة، وعراقجي يقول إن طهران مستعدة للدفاع والدبلوماسية معاً، فيما لا تزال واشنطن تلوّح بالقوة وتترك القرار النهائي مفتوحاً. هنا تكمن مسؤولية العواصم جميعاً: ألا تخلط بين القدرة على إشعال الحرب والقدرة على التحكم بنهايتها. فالحروب قد تبدأ بقرار رجل، لكنها لا تنتهي دائماً بإرادته.
ليس السؤال من يرفع صوته أكثر، بل من يملك الحكمة كي لا يدفع شعوب المنطقة مرة أخرى ثمن أوهام القوة. وبين رسالة فانس، ومناورة عراقجي، وأمر المجتبى، يبقى السلام اختبار الشجاعة الأصعب اليوم. وهي معادلة دقيقة لا تحتمل التبسيط أو المزايدة السياسية الرخيصة.