المقاومة الثقافية.. جنوبُ لبنان “شهيدُ وحدةِ الساحات”.. “النازف” على طريقِ الإسناد..!
د. نسيب حطيط ||

منذ أكثر من “ألف” يوم، أعلنت المقاومة اللبنانية بدء “معركة الإسناد” للمقاومة الفلسطينية في غزة بعد يوم من بدء معركة طوفان الأقصى ، التزاماً بمبدأ “وحدة الساحات” لمحور المقاومة وبعدما توقفت الجبهة الفلسطينية بعد سنتين من الإبادة الإسرائيلية الجماعية، وبقيت المقاومة اللبنانية وحيدة في الميدان ، فحشد العدو ضدها أكثر جيشه ومعه أمريكا والحكومة اللبنانية وكل طالبي الثأر من المقاومة.
منذ أكثر من “مائتي” يوم، أعلنت المقاومة حرب إسنادٍ، للجمهورية الإسلامية في إيران، ثأراً لاغتيال الشهيد المرشد الأعلى ، التزاماً بوحدة الساحات لمحور المقاومة، فوسّعت إسرائيل احتلالها في الجنوب وتعرضت الطائفة لأكبر “نازلة وجودية “في تاريخها وتوقفت جبهة إيران-إسرائيل، ولا زالت المقاومة اللبنانية تحت النار الإسرائيلية والغدر للحكومة اللبنانية والحصار الأمريكي، ولم تسعفها وحدة الساحات إلا جزئياً بحماية الضاحية مقابل أمن المستوطنات.
قاتلت المقاومة اللبنانية طوال 12 عاماً في سوريا لحماية لبنان من التكفيريين ولحماية خطوط إمدادها وإسناد النظام الذي يدعمها ويرفض عقد اتفاق سلام. ولم تقصّر سوريا الممانعة عن دعم المقاومة في حروبها وتأمين خطوط إمدادها حتى سقوط النظام فخسرت المقاومة اللبنانية أهم ساحة إسناد لها وسقطت وحدة الساحتين اللبنانية والسورية بعد انقلاب الساحة السورية إلى ساحة غير صديقة ،حدود العداء والتهديد بالحرب.
التزمت المقاومة اللبنانية بوحدة الساحات، فساندت أنصار الله في اليمن منذ اليوم الأول للحرب على اليمن، وكان “السيد الشهيد” الناطق الرسمي بإسم المقاومة اليمنية، ودفع الشيعة أثماناً باهظة في دول الخليج، ولا زالوا يدفعون ويتعرضون للثأر السعودي في لبنان واتهام المقاومة بالشراكة مع اليمنيين بما أصاب ويصيب السعودية ومع ذلك، لم تربح المقاومة اللبنانية إسنادًا يمنيًا ميدانيًا ،كما كان إسناد اليمن لغزة وإغلاقهم البحر الأحمر والمواجهة مع أمريكا!
لم تترك المقاومة اللبنانية أهلنا في العراق وحيدين في مواجهة غزوة “داعش”، بل ساندتهم بما تستطيع ولم تقصّر، وقد رد الإخوة العراقيون جزءً من هذا المعروف ميدانياً واحتضاناً للنازحين في العام 2024.
إن تاريخ المقاومة اللبنانية يشهد بشهدائه ومشاركته الميدانية بأنه كان رائد وحدة الساحات وشهيدها ويتيمها وحامل راية الإيثار والتضحية والأخوّة ولا تطلب هذه” المقاومة المتعففة” إسنادًا ولا تستغيث ، وهي تنزف وتستشهد وتعرّضت لخسائر كبرى ولا تزال، وتتحمل اتهام الأقربين والأبعدين ،بأنها ضحّت من أجل الذين تركوها واتهمها البعض بالخطأ والمغامرة لأنها هاجرت في سبيل الله ،لتنصر “المستضعفين ” رغم قلّة عددها وإمكانياتها والسؤال الذي يطرحه المحبّون …
هل أخطأت المقاومة بالتزامها بوحدة الساحات وحروب الإسناد؟
لم تخطئ المقاومة بناء لعقيدتها ومشروعها المقاوم ،بل بالغت بالقيام بواجبها، وأخطأ بحقها من لم يلتزم بوحدة الساحات ولا يزال الوقت متاحاً لكي يصحح الآخرون خطأهم وتقصيرهم، ويعودوا للالتزام بوحدة الساحات (ميداناً وقولاً وتفاوضاً وإمداداً) بعدما خسرت المقاومة وأهلها نصف الجنوب، “جبل عامل” ولا يزال النصف الآخر مهدّداً، ويمكن أن يكون مصيره كما النصف الأول جنوب الليطاني إذا بقيت وحدة الساحات شعاراً لا يلتزم به أحد إلا المقاومة اللبنانية. ووحدة الساحات تفرض ما يلي:
– وحدة الميدان والنار والمفاوضات…و”بيت مال “واحد.
– تصحيح “الخطأ “وعدم الإكتفاء بفرض منع قصف الضاحية وبيروت وترك الجنوب مستباحاً يستفرد بها العدو ويتفنن بتدميره وتجريفه.
– إن أي مفاوضات إقليمية أو إيرانية-أمريكية يجب أن تفرض وحدة إطلاق النار لتشمل الجنوب وكل لبنان، وإلا فستكون المقاومة وطائفتها شهداء “تجزئة الساحات” وتمايز المسار والمصير.
– عدم الإحتجاج برفض الحكومة اللبنانية عن فصل المسارات-فهي مسلوبة القرار-وأمريكا هي التي تأمر حكومة لبنان وإسرائيل ودول الخليج…ويمكن تجاوزه بمظاهرات شعبية للمطالبة بالتدخل.
إن الاستمرار بتجزئة الساحات ،وحصر مسؤولية قرار حرب الإسناد بالمقاومة والتبرؤ من هذا المعروف الجهادي ،أمر غير مقبول ونسأل…
لنفترض أن قرار الإسناد كان “خطأً”- الذي أيّده وتبنّاه الحلفاء في لبنان والشركاء في محور المقاومة وإيران- فلماذا لم يصحّحوه ويطالبوا بوقفه وخاصة إيران بولايتها الفقهية ورعايتها السياسية والعسكرية، طوال عام قبل اغتيال “السيد الشهيد”، ولماذا تُرِكت المقاومة وأهلها يحترقون وحدهم؟؟
ربما بالغنا بإيثارنا واسنادنا للمستضعفين لكننا لسنا نادمين وسنقاوم لحماية أهلنا وتحرير أرضنا ولو بقينا وحدنا .
سُئِلَ الإمام علي (ع)( أَيُّ أَوْلَادِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ، فَقَالَ.. صَغِيرُهُمْ حَتَّى يَكْبَرَ، وَمَرِيضُهُمْ حَتَّى يَبْرَأَ، وَغَائِبُهُمْ حَتَّى يَرْجِعَ)…الجنوب صغيركم ومريضكم وغائبكم المهجّر والنازح…
دماء شهدائنا وآلام أهلنا تصرخ (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)…حسبنا الله ونعم الوكيل.
د.نسيب حطيط




