ألسياسة فن الممكن: كيف تعيد تركيا رسم توازنات المنطقة؟ الجزء الخامس..!
د. طالب الشوكة ||

ماذا تريد أنقرة؟ وكيف تحوّل موقعها الجغرافي والسياسي والعسكري إلى قدرة على المناورة بين ملفات متعارضة؟ يقود هذا السؤال إلى تفكيك التحولات الكبرى في السياسة الخارجية التركية، التي أعادت خلال العقدين الأخيرين صياغة أدواتها، من دولة تتأثر مباشرة بأزمات محيطها الجغرافي، إلى دولة تسعى إلى التأثير في مسارات الأزمات وصياغة التوازنات، لا الاكتفاء بتلقي تداعياتها.
وبذلك أصبحت أنقرة تمتلك أوراق ضغط في مجالات الأمن والطاقة والتجارة والممرات الاستراتيجية، ولم تعد تنظر إلى موقعها الجغرافي باعتباره ميزة طبيعية فقط، بل تحاول تحويله إلى نفوذ سياسي واقتصادي، وتحويل النفوذ بدوره إلى أوراق تفاوض.
التحول من العبور إلى المركز
تعتمد تركيا على الجغرافيا بوصفها أداة ديناميكية تُدار من خلالها سياستها الخارجية عبر مجموعة من الآليات المتداخلة. فتحكمها بنظام المرور في مضيقي البوسفور والدردنيل، وفق أحكام اتفاقية مونترو، يمنحها موقعاً قانونياً واستراتيجياً مؤثراً في حركة الملاحة بين البحر الأسود والمتوسط.
وقد ظهر ذلك بوضوح خلال الحرب الروسية الأوكرانية، عندما أدت أنقرة أدواراً في الوساطة بين موسكو وكييف، وأسهمت في مسار اتفاق الحبوب عام 2022، ثم ركزت لاحقاً على أمن الملاحة في البحر الأسود ومحاولة الحد من اتساع التصعيد. وفي تموز 2026، أكدت أنقرة مجدداً أن أمن الملاحة والأمن التجاري في البحر الأسود يمثلان أولوية، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طرفي الحرب.
وفي الوقت نفسه، تحولت تركيا إلى حلقة وصل رئيسية في الممر الأوسط للتجارة والنقل بين آسيا وأوروبا، بالتوازي مع دورها في عدد من ممرات الطاقة الإقليمية، ومنها خط باكو–تبليسي–جيهان. وهنا لا تكتفي أنقرة بالاستفادة من موقع العبور، بل تسعى إلى أن يتحول العبور نفسه إلى مركز نفوذ اقتصادي وسياسي.
ولا تقتصر أدوات أنقرة على الجغرافيا والاقتصاد، بل تستخدم أيضاً القوة الصلبة عبر انتشارها العسكري ونقاط وجودها في عدد من مناطق الإقليم، بالتوازي مع الدبلوماسية والوساطة السياسية، بما يمنحها مزيجاً من أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والناعمة. وفي قطر، يحتفظ البلدان بتعاون دفاعي مؤسسي ووجود عسكري تركي ضمن إطار التعاون المشترك، بما يعكس تطور العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة المجالات.
كما تستخدم أنقرة أوراقاً مرتبطة بملف الهجرة والعلاقات الاقتصادية في تعاملها مع الاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع تمسكها بعضوية حلف شمال الأطلسي، رغم اختلاف المصالح بينها وبين بعض حلفائها الغربيين في عدد من الملفات.
وهنا يظهر الطابع الغالب على السياسة التركية: عدم الاكتفاء بالاصطفاف الثابت، وإدارة العلاقات وفق كل ملف على حدة، بما يوسع هامش الحركة ويتيح لأنقرة الحفاظ على مصالحها مع أطراف متعارضة.
الموازنة بين موسكو والغرب
يمكن وصف النهج التركي تجاه موسكو والغرب بأنه نوع من الموازنة الاستراتيجية. فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على قنوات سياسية واقتصادية واسعة مع روسيا، وتستمر في التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة والتجارة والسياحة، مع بقاء الخلافات قائمة في عدد من الملفات.
لكن الشراكة التركية الروسية لا تعني تطابقاً في المصالح. فأنقرة وموسكو تتعاونان في بعض الملفات، بينما تتنافسان أو تختلفان في ملفات أخرى، كما في سوريا وليبيا وجنوب القوقاز. وقد أكدت الاتصالات الرسمية بين البلدين خلال 2026 استمرار الحوار رغم تباين الحسابات الإقليمية.
وهكذا تحاول تركيا إدارة العلاقة مع روسيا بمنطق التعاون عندما تفرض المصالح ذلك، والمنافسة عندما تتعارض الحسابات، مع الإبقاء على هامش مستقل للحركة. وتظهر أهمية هذا النهج بصورة خاصة في البحر الأسود، حيث تجمع أنقرة بين التشدد في تطبيق مونترو، والدفع باتجاه حماية الملاحة ومنع تحول البحر إلى ساحة أوسع للتصعيد.
القوقاز: القوة والجغرافيا
في جنوب القوقاز، لعبت تركيا دوراً مهماً في دعم أذربيجان خلال حرب قره باغ، وهو ما أسهم في إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
ولا تنظر أنقرة إلى القوقاز بوصفه ملفاً أمنياً فقط، بل تربطه أيضاً بممرات النقل والطاقة والتجارة التي تصل تركيا بآسيا الوسطى. ومن هنا يتقاطع الأمن مع الجغرافيا؛ فتعزيز الارتباط بأذربيجان يوسع المجال التركي باتجاه آسيا الوسطى، ويعزز موقع تركيا في شبكات الربط بين الشرق والغرب.
سوريا: الأمن واللاجئون والنفوذ
أما في سوريا، فتتحرك السياسة التركية وفق مجموعة من الأولويات، في مقدمتها الأمن القومي ومنع تحول الحدود الجنوبية إلى مصدر تهديد، إضافة إلى ملف اللاجئين، والسعي إلى الحفاظ على دور مؤثر في الترتيبات السياسية والأمنية والاقتصادية المستقبلية.
وبعد التحولات التي شهدتها سوريا منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، ركزت أنقرة في خطابها الرسمي على دعم وحدة الأراضي السورية، ومساندة الحكومة السورية في جهود مكافحة التنظيمات التي تعتبرها تهديداً لأمنها، ودعم إعادة بناء مؤسسات الدولة. وفي أيلول 2026، واصل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اتصالاته المباشرة مع القيادة السورية في دمشق، بما يعكس استمرار اعتبار الملف السوري جزءاً من الأمن القومي التركي ومن الترتيبات الإقليمية الأوسع.
ومن هنا لا تبدو سوريا بالنسبة لتركيا مجرد أزمة خارجية، بل ملفاً يرتبط مباشرة بأمنها الحدودي وبموقعها في النظام الإقليمي.
العراق: العمق الأمني والاقتصادي
أما العراق، فيمثل بالنسبة لأنقرة عمقاً أمنياً واقتصادياً بالغ الأهمية. فتركيا تنظر إلى شمال العراق من زاوية أمنية مرتبطة بمكافحة حزب العمال الكردستاني، بينما ترتبط العلاقة مع بغداد أيضاً بملفات المياه والطاقة والتجارة والنقل.
وفي ملف النفط، شهد عام 2026 استئناف تدفقات من الخام العراقي عبر مسار كركوك–جيهان، مع تحركات لاحقة لزيادة الكميات المارة عبر هذا المسار في ظل اضطرابات الملاحة الإقليمية. وفي أيلول، بلغت التدفقات إلى جيهان نحو 200 ألف برميل يومياً، مع محاولة بغداد دعم المسار الشمالي بنقل كميات من الخام الجنوبي إلى منشآت في كركوك.
لكن الأهم ربما هو طريق التنمية، المشروع الذي يربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية وصولاً إلى أوروبا عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية. وقد تحول المشروع إلى إطار للتنسيق بين العراق وتركيا وقطر والإمارات، بعد توقيع مذكرة تعاون رباعية، ما يمنحه بعداً إقليمياً يتجاوز العلاقة الثنائية بين بغداد وأنقرة. وتصفه الخارجية التركية بأنه مشروع يربط الفاو بتركيا بطريق وسكة حديد بطول يقارب 1200 كيلومتر، لنقل البضائع من الخليج وآسيا باتجاه أوروبا.
وهنا تتقاطع المصالح العراقية والتركية بوضوح: العراق يبحث عن تحويل موقعه الجغرافي إلى ممر اقتصادي، بينما ترى تركيا في هذا الموقع فرصة لتكون طرفاً رئيسياً في الربط بين الخليج وآسيا وأوروبا.
الخليج: من التنافس إلى الشراكة
تحولت العلاقات التركية مع عدد من دول الخليج من مرحلة التنافس السياسي إلى شراكات اقتصادية واستثمارية وأمنية أكثر اتساعاً. وتبحث أنقرة عن توسيع حضورها الاقتصادي والاستثماري، في مقابل تعزيز التعاون الدفاعي والتكنولوجي والأمني.
وتبرز العلاقة التركية القطرية بصورة خاصة، إذ تطورت إلى شراكة استراتيجية متعددة المجالات تشمل الدفاع والأمن والاستثمار والتجارة والطاقة. وفي 2026 واصلت أنقرة والدوحة التأكيد على توسيع التعاون، بما في ذلك الصناعات الدفاعية، إلى جانب استمرار التنسيق السياسي والأمني بين البلدين.
إيران: التنافس الحذر
العلاقات مع طهران تقوم على التنافس الحذر والتعاون العملي. فتركيا وإيران تتقاطعان في بعض الملفات، كما حدث في مسار آستانة بشأن سوريا، لكنهما تتنافسان في الوقت نفسه على النفوذ والمصالح في العراق وسوريا وجنوب القوقاز.
وهذا نموذج آخر لطريقة أنقرة في إدارة علاقاتها الإقليمية: التعاون عندما تفرض المصالح ذلك، والمنافسة عندما تتعارض الحسابات، من دون تحويل الخلاف إلى قطيعة استراتيجية.
إسرائيل: علاقة تتأثر بالصراع الإقليمي
أما العلاقات التركية الإسرائيلية، فقد شهدت تقلبات حادة، خصوصاً على خلفية القضية الفلسطينية والحرب في غزة. واتخذت أنقرة مواقف سياسية ودبلوماسية شديدة الانتقاد لإسرائيل، بينما أصبحت العلاقة الثنائية أكثر تعقيداً في ظل التحولات التي شهدها الإقليم.
لكن فهم السياسة التركية تجاه إسرائيل يحتاج إلى الفصل بين المواقف السياسية المعلنة وبين شبكة المصالح الإقليمية والاقتصادية والأمنية التي حكمت العلاقة تاريخياً، والتي تأثرت بصورة كبيرة بالتطورات المتلاحقة في المنطقة.
تركيا والولايات المتحدة وأوروبا
مع الولايات المتحدة، تسعى أنقرة إلى الحفاظ على موقعها داخل حلف شمال الأطلسي، مع استمرار ملفات خلافية تتعلق بالتسليح والسياسة الأمريكية تجاه القوى الكردية في سوريا. وفي الوقت نفسه، تؤكد تركيا أن عضويتها في الناتو لا تعني تطابق سياساتها مع جميع قرارات الدول الغربية، وأنها تسعى إلى إدارة علاقاتها وفق ما تعتبره مصالحها الوطنية.
أما مع الاتحاد الأوروبي، فتسعى تركيا إلى تطوير علاقاتها الاقتصادية والتجارية، بالتوازي مع إدارة ملفات الهجرة والاستثمار وحركة التجارة. وفي الحالتين، تحاول أنقرة الحفاظ على موقعها داخل المؤسسات الغربية من دون التخلي عن هامشها المستقل في الملفات الإقليمية.
الجغرافيا تتحول إلى قوة تفاوض
تسعى تركيا إلى أن تكون عقدة وصل أساسية في طريق التنمية العراقي، وفي خطوط التجارة والطاقة القادمة من آسيا باتجاه أوروبا، مستفيدة من موقعها الذي يربط البحر الأسود بالمتوسط ويصل بين آسيا وأوروبا.
وهنا تظهر أهمية المنافسة بين الممرات الاقتصادية الكبرى؛ فطريق التنمية، والممر الأوسط، ومشاريع الربط الأخرى، ليست مجرد مشاريع للنقل والتجارة، بل يمكن أن تتحول إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي.
ومن هذه الزاوية، فإن الجغرافيا التركية لا تُستخدم باعتبارها ميزة طبيعية فقط، بل باعتبارها أداة سياسية قابلة للتوظيف والتفاوض.
قوة مستقلة أم قوة موازنة؟
تمتلك تركيا قدرات عسكرية وصناعية دفاعية متقدمة، إلى جانب موقع جغرافي لا يمكن تجاهله، وشبكة واسعة من العلاقات والتحالفات. لكن هذه الأدوات لا تعني قدرة غير محدودة؛ فأنقرة تتحرك في بيئة تواجه فيها تحديات اقتصادية داخلية، وتحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الغرب وروسيا والدول الإقليمية.
لذلك، فإن السؤال لا يتعلق فقط بقدرة تركيا على فرض نفسها لاعباً إقليمياً، وإنما بقدرتها على تحويل هذا النفوذ المتعدد إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأمد. فأنقرة لا تتحرك في بيئة تسمح لها بالاختيار السهل بين الشرق والغرب، وإنما في مساحة معقدة تفرض عليها إدارة المصالح المتعارضة، والاستفادة من موقعها الجغرافي، وتوظيف أدواتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في الوقت نفسه.
ومن هنا يعود السؤال الذي يلخص جوهر التجربة التركية:
هل تنجح أنقرة في تحويل قدرتها على إدارة التناقضات إلى نفوذ مستدام، أم أن تعدد مساحات المناورة قد يتحول نفسه إلى مصدر للقيود عندما تتعارض مصالح القوى التي تحاول تركيا الموازنة بينها؟




