الأربعاء - 30 سبتمبر 2026

غريب في ثلوج آراك..(على لسان شقيقة أحد أسرى الحرب العراقية الإيرانية)..!

منذ 3 ساعات
الأربعاء - 30 سبتمبر 2026

عباس سرحان ||

 

 

في بيتنا في البصرة غرفةٌ أعددناها لعرس أخي مجيد. أنا أصغر أخواته الأربع، ومجيد أخونا الوحيد. وسيم، لا تفارقه الابتسامة، خطب ابنة خالتنا بعد أن أنهت دراستها الجامعية. أعددنا الغرفة، أثاثٌ جديد، وملابس العريس، وبدلة زواجه معلّقة في الخزانة. وفي غيابه ندخلها أنا وأمي وأخواتي كل يوم، ننظفها ونعطّرها، ثم نرقص فيها حتى آخر الليل. عرسٌ لا ينقصه إلا العريس وإجازته القادمة.

مجيد على جبهة الشوش، قرب نهر الكرخة. وقد مر عام ونصف تقريباً على تلك الحرب المجنونة. في جيبه أربع صور، خطيبته، وأمي، وأبي. وصورة جماعية لنا نحن أخواته. همس لي في إجازته الأخيرة: «لا أعرف ماذا نفعل هناك. الأرض ليست أرضنا، وأهلها ليسوا أعداءنا». ولم أفهم كلامه يومها كما أفهمه اليوم.

في ليلة الحادي والعشرين من آذار ١٩٨٢، وضع الصور تحت وسادته على غير عادته ونام. قبيل الفجر استيقظ على صيحات التكبير من كل الجهات، والمواضع كلها محاصرة، ولا طريق إلا أن يرفع ذراعيه. خرج أسيرًا، وبقيت الصور تحت الوسادة. أول ما أخذه الأسر من أخي وجوهنا. ومن ديزفول نُقل إلى معسكرٍ للأسرى قرب آراك، مدينةٍ باردة تحيط بها الجبال.

في البصرة جاءنا الخبر أنه مفقود، وهي كلمة لا تعني الموت ولا الحياة. تعلّمت يومها أن للموت عزاءً ينتهي، أما الانتظار فلا عزاء له. ألقت أمي على كتفيها الشيلة السوداء، وجلست على عتبة غرفة العرس تنوح: «يمّه يا مجيد، يا ضوه عيني، يا عكازة شيبتي… وين رحت وخلّيت أمك تتنطر على الباب؟». لبسنا السواد، وجاء العيد فلم نخبز الكليجة، وأُغلق باب الغرفة على بدلة العرس.

بعد عامٍ تقريبًا، قرر أهل خطيبته أن الحرب قد تطول، فأجبروها على فسخ الخطوبة. تزوجت رجلًا آخر، وانتقلت إلى ميسان. غضبت منها يومها، ثم كبرت وفهمت أنها أسيرة قرارٍ لم تتخذه، كما لم يسأل أحدٌ مجيدًا رأيه في الحرب. فالحرب لا تأسر الجنود وحدهم؛ تأسر كل من ينتظرهم.

أما أمي فرأت في ذلك أن الناس كفّوا عن انتظار ابنها، وأغلقت باب الغرفة بيدها. ومع ذلك لم تكفّ عن البحث. في إذاعة الأهواز برنامجٌ اسمه «مع الأسرى العراقيين»، يقدّمه حسين جوبان، يقرأ فيه الأسرى أسماءهم.
والاستماع إليه قد يودي بصاحبه إلى الموت. كل ليلة، حين تظن أن البيت نائم، تضع أمي رأسها مع المذياع تحت العباءة، وتلاحق الأسماء بين الأزيز والصفير، وأنا أراها من فراشي ولا أتكلم. حين تُسدّ الأبواب كلها في وجه الأم، تبحث عن ابنها ولو في أثير الإذاعات.

أبي لم يره أحد يبكي. يجلس عند الباب كل مساء، يحرّك مسبحته، وينظر إلى آخر الزقاق. نظراته وحدها بكاءٌ لا يُعلَن، وانحناءة رأسه تفضح ما انكسر في قلبه. لكني أسمعه عند صلاة الفجر يبكي بصوتٍ خافت، حين يظن أننا نائمات.

بعد عامٍ وثلاثة أشهر وصلت الرسالة الأولى عن طريق الصليب الأحمر. شمّتها أمي وقبّلتها، وطلبت من أختي الكبرى أن تقرأها مرةً بعد مرة، وهي تردد: «حيّ… ولدي حيّ». ثم وصلت أختي إلى السطر الذي يوصينا فيه بخطيبته خيرًا، فسكت البيت كله.
هو في آراك يكتب عنها كأنها امرأته، وهي في ميسان مع رجلٍ آخر. كتبنا جوابنا على الورقة نفسها لتعود إليه، وعند الخطيبة توقف القلم. قالت أمي: «لا تكتبي شيئًا. يكفيه الأسر». أحيانًا يكون الصمت أرحم ما في الرسالة.

في ذلك المساء فتحنا الغرفة لأول مرة منذ أغلقتها أمي. نظّفناها، وعطّرناها، وأشعلنا أنوارها كلها، كأن العرس عاد. لكن سؤالًا حام بيننا ولم تنطق به واحدةٌ منا: لمن هذه الغرفة؟ العريس في آراك، لا يعلم إلا الله متى يعود، والعروس في ميسان، في بيت رجلٍ آخر. تذكّرنا أننا رقصنا هنا ذات ليلة وخطيبته بيننا تضحك، ونحن الآن وحدنا. فانسحبنا واحدةً بعد أخرى، بصمت، وأُطفئت الأنوار.

علّقت أمي صورةً كبيرة لمجيد مقابل فراشها، ووضعت تحت وسادتها قميصًا له لم يُغسل منذ إجازته الأخيرة، تشمّه كل ليلة. وبعد ثلاث سنوات دخلنا عليها صباحًا فوجدناها ميتة في فراشها، عيناها على الصورة، ويدها تحت الوسادة على القميص. قال الطبيب: القلب. وقالت نساء الحيّ: الانتظار. والنساء أصدق.

ولم نكتب له بموتها. قال أبي: «سكتنا عن خطيبته، ونسكت عن أمه. يكفيه الأسر». وفي كل جوابٍ بعد ذلك كتبنا: «أمك تسلّم عليك وتدعو لك». ثم انقطعت رسائله. انتظرنا طويلًا، ولم يأتِ شيء. قال أبي إن الصليب الأحمر تأخر، ثم سكت. في داخله شيءٌ يعرف، ويرفض أن يصدّق.

في آب ١٩٨٨ انتهت الحرب، وخرج الناس يرقصون في الشوارع، ووقف أبي بينهم غريبًا. وبعد عامين بدأ الأسرى يعودون، فلبس أنظف ثيابه وذهب إلى حيث تصل الحافلات.

أيامًا يسأل كل عائد: «هل رأيت مجيد مطر من البصرة؟». حتى نزل رجلٌ هزيل، أخذه جانبًا وقال: جمعنا معسكرٌ واحد في آراك. في الشتاء الأخير من الحرب أصابته ذات الرئة، غطّيناه ببطانياتنا وسهرنا عليه، لكنه لم يحتمل. دفنه حرس المعسكر، وآخر ما قاله: «يمّه».
سأله أبي: «وأين قبره؟».

قال: «لا أحد يعرف يا عمّ… لا شاهد ولا اسم».

حكى لنا جارٌ رافقه أن أبي خرّ على ركبتيه وبكى أمام الجميع، حتى سكتت الزغاريد من حوله. هم يستقبلون أبناءهم، وهو يستقبل خبراً.
ولم يعرف مجيد، وهو ينادي أمه في حمّاه الأخيرة، أنها سبقته.
ذهب أبي إلى قبر أمي وجلس عنده حتى الغروب، وقال لها: «سبقتِه يا أم مجيد، وأنتِ أقرب إليه مني… ابحثي عنه أنتِ، فأنا لا أعرف أين أبحث».

تزوجنا وتفرّقنا، وبقي أبي وحده مع الغرفة المغلقة. وفي كل زيارة أفتح بابها، وأقف أمام بدلة العرس. باهتة، يغطيها الغبار، لم يلبسها أحد.

في مكانٍ ما قرب آراك، تحت الثلج، قبرٌ لا يعرفه أحد. وفي البصرة، بدلة عرسٍ ما زالت تنتظر.