30 أيلول: أختبار السيادة..!
طه حسن الأركوازي ||

في 30 أيلول 2026 ، لا يقف العراق أمام مُجرد مُناسبة وطنية للاحتفال بأنتهاء مُهمة عسكرية أجنبية ، بل أمام لحظة تختبر فيها الدولة معنى السيادة وقُدرتها على تحويلها من أعتراف قانوني إلى مُمارسة فعلية ، فمُغادرة قوات التحالف الدولي ، وإنهاء مُهمتها العسكرية يُمثلان إغلاقاً لمرحلة أمتدت أكثر من عقدين ، وفتحاً لمرحلة جديدة يصبح فيها العراق أكثر تحملاً لمسؤولية أمنه وأستقراره وقراره الوطني . وقد أعلنت الحكومة العراقية رسمياً أنتهاء مُهمة التحالف ، مُؤكدة أنتقال البلاد إلى مرحلة تتولى فيها مُؤسساتها الأمنية المسؤولية بصورة كاملة ، مع أستمرار التعاون الأمني بصيغ جديدة .
والسيادة ، في معناها الحقيقي لا تُقاس بما تقوله الدولة عن نفسها ، بل بما تستطيع أن تفعله بأسمها ، فالدولة ذات السيادة هي التي يكون قرارها نابعاً من مُؤسساتها ، وسلاحها تحت سُلطتها ، وحدودها وأجواؤها ومواردها محمية بإرادتها ، وعلاقاتها الخارجية محكومة بمصالحها الوطنية .
ومن هنا ، فإن السؤال عن سيادة العراق اليوم لم يعد سؤالاً عن أعتراف العالم به دولةً مُستقلة ، فهذا أمر محسوم قانوناً ، وإنما عن قُدرته على تحويل هذا الاعتراف إلى سُلطة فعلية وقرار وطني مُستقل ، ودولة لا تتعدد فيها مراكز القوة والقرار .
لقد شكّل 28 حزيران 2004 محطة مفصلية في التاريخ السياسي الحديث للعراق ، عندما أنتقلت المسؤولية والسُلطة إلى الحكومة العراقية المُؤقتة ، وأعلن مجلس الأمن انتهاء الاحتلال وإعادة تأكيد سيادة العراق واستقلاله وسلامة أراضيه بموجب القرار 1546. ورحّب الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بعودة العراق إلى أسرة الدول المستقلة ذات السيادة .
السيادة القانونية لا تعني بالضرورة اكتمال السيادة الفعلية ، فالدولة تصبح أكثر سيادة كُلما أمتلكت القُدرة المُؤسسية على فرض القانون ، وحماية حدودها وأجوائها ، وأحتكار أستخدام القوة ، وإدارة مواردها ، وصياغة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية ، من دون أن تتحول أراضيها إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين .
ولهذا يكتسب 30 أيلول 2026 دلالة مُختلفة ، فهذه المرة لا يتعلق الأمر فقط بإنهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي ، بل بأنتقال العراق إلى مسؤولية أمنية أكبر ، وقد أعلنت الحكومة أن التعاون مع الدول الصديقة سيستمر في مجالات التدريب والمعلومات والتعاون الأمني ، وهو ما يؤكد أن السيادة لا تعني العُزلة ، بل القُدرة على بناء علاقات دولية متوازنة من موقع الدولة صاحبة القرار.
وهنا تبدأ المسألة الأكثر حساسية ، إنهاء الوجود العسكري الأجنبي بالاتفاق يُعزز السيادة ، لكن أكتمال أحتكار الدولة للقوة ، والقرار الأمني هو الذي يرسخها على الأرض .
فلا يمكن بناء دولة مُستقرة مع تعدُد مراكز القوة ، أو مع بقاء السلاح خارج الإطار القانوني ، أو مع السماح للصراعات الإقليمية والدولية بأن تجعل من العراق ساحة لتبادل الرسائل والضغوط .
والسيادة ليست عسكرية فقط ، فمن المُفترض أيضاً تكون “سيادة سياسية وأقتصادية ومالية وأمنية” تبدأ من القرار الوطني ، وتمتد إلى الحدود والمنافذ والأجواء والموارد والطاقة والنظام المالي ، وتنتهي عند قُدرة المُواطن على أن يرى أثر الدولة وهيبتها وعدالتها في حياته اليومية ، ولذلك فإن أستقلال القرار الاقتصادي ، وتقوية المُؤسسات الرقابية ، والقضائية ، وحماية المال العام، وإبعاد مُؤسسات الدولة عن التجاذبات السياسية ، ليست ملفات مُنفصلة عن السيادة ، بل جزء من جوهرها .
لقد مرت دول عديدة بحروب وأنهيارات عميقة ، وخرجت من تحت الركام عندما أدركت أن إعادة بناء الدولة لا تبدأ بإعادة إعمار الحجر وحده ، وإنما بإعادة بناء المُؤسسات والثقة والقانون .
وحين أصبح السلاح تابعاً للدولة ، والقرار السياسي محكُوماً بالمُؤسسات ، والاقتصاد قائماً على قواعد واضحة ، أمكن الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار والتنمية ، وهذه التجارب تقول للعراق إن الخروج من الأزمات مُمكن ، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية تتقدم على المصالح الضيقة .
ومن هنا ، فإن مُعالجة ملف السلاح لا ينبغي أن تقوم على منطق الصِدام أو الإقصاء ، كما لا يجوز أن تبقى بلا أُفق سياسي واضح.
المطلوب مسار وطني تدريجي ، يجمع بين الحوار والضمانات القانونية وإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية ، بحيث يكون العمل السياسي هو المجال الطبيعي للتنافس ، وتصبح الدولة الإطار الجامع لحماية الجميع .
فالمطلوب ليس إقصاء القوى أو مكوناتها ، وإنما إنهاء ازدواجية القوة والقرار .
أما الحكومة والطبقة السياسية ، فهما أمام فرصة تاريخية لا ينبغي إضاعتها ، فتحويل 30 أيلول من مُناسبة للاحتفال بأنتهاء مُهمة التحالف إلى نقطة انطلاق لمشروع دولة مُكتملة المُؤسسات ، ويبدأ ذلك بتثبيت قاعدة واضحة وهو “لا قرار للحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة ، ولا قوة فوق القانون ، ولا نفوذ خارجي يتقدم على المصلحة الوطنية ، ولا أقتصاد قوي من دون مُؤسسات مُستقلة وكفوءة ، ولا سيادة حقيقية من دون ثقة متبادلة بين المواطن والدولة” .؟
أخيراً وليس آخراً .. إن العراق اليوم لا يحتاج إلى إعلان جديد عن سيادته ، فهو دولة ذات سيادة في القانون ، لكنه يحتاج إلى أن تصبح هذه السيادة حقيقة “تُمارس وتُلمس وتُقاس” وحين يصبح القرار الأمني والسياسي والاقتصادي نابعاً من مُؤسسات الدولة ، وتصبح الدولة وحدها المرجع والحَكَم والحامي ، عندها تنتقل السيادة من النص إلى الواقع .
لذلك ، فإن 30 أيلول ليس يوم أنتهاء الوجود العسكري الأجنبي فحسب ، إنه يوم يبدأ فيه الاختبار الحقيقي لقُدرة العراق على أن يكون دولةً كاملة القرار، موحّدة القوة ، مُستقلة الإرادة ، ومتوازنة العلاقات …!




