الخميس - 01 اكتوبر 2026

العراق بين سيادة الأرض واحتلال القرار السياسي.. خروج التحالف الدولي: استعادة للاستقلال أم انتقال من النفوذ العسكري إلى النفوذ السياسي؟!

منذ 12 ساعة
الخميس - 01 اكتوبر 2026

خالد كمال الدين ||

 

 

 

في الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2026، ينتهي الوجود العسكري للتحالف الدولي في العراق وفق الجدول الزمني الذي اتفقت عليه بغداد وواشنطن. وقد جاء هذا المسار نتيجة اتفاق عراقي ـ أمريكي أُعلن في أيلول/سبتمبر 2024، نصّ على إنهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق والانتقال إلى علاقات أمنية ثنائية. وفي كانون الثاني/يناير 2026 أعلنت اللجنة العسكرية العراقية إخلاء القواعد الاتحادية من مستشاري التحالف وانتقال العلاقة إلى مرحلة التعاون الأمني الثنائي.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الاحتفال بخروج القوات الأجنبية هو سؤال أعمق:

هل خروج الجندي الأجنبي من الأرض العراقية يعني بالضرورة خروج النفوذ الأجنبي من القرار العراقي؟

هنا تبدأ القضية الحقيقية.

السيادة ليست مجرد مغادرة القواعد العسكرية

السيادة في معناها البسيط تعني أن تكون للدولة سلطة كاملة على أرضها وحدودها ومؤسساتها وقرارها السياسي والأمني والاقتصادي. ولذلك فإن إنهاء الوجود العسكري الأجنبي يمثل خطوة مهمة في استعادة القرار الوطني، لكنه لا يشكل بمفرده الدليل النهائي على اكتمال الاستقلال.

فالدولة قد لا تستضيف جندياً أجنبياً على أراضيها، لكنها قد تجد نفسها مقيدة في خياراتها الاقتصادية، أو الأمنية، أو الدبلوماسية، أو مرتبطة بتوازنات إقليمية تجعل قرارها الداخلي والخارجي شديد التأثر بإرادات خارجية.

وهنا تحديداً يجب التمييز بين مفهومين:

سيادة الأرض، وسيادة القرار.

الأولى تتعلق بمن يملك الوجود العسكري وحق استخدام الأرض.

أما الثانية فتتعلق بمن يحدد خيارات الدولة: الحرب والسلم، العلاقات الخارجية، السياسة الاقتصادية، السلاح، الطاقة، والاصطفاف في الأزمات الإقليمية.

خروج التحالف لا يعني انتهاء العلاقة مع الولايات المتحدة

المسار المعلن بين بغداد وواشنطن لا يقوم على القطيعة، بل على الانتقال من مهمة التحالف العسكرية إلى شراكة أمنية وثنائية أوسع. وقد أكدت البيانات الرسمية أن انتهاء مهمة التحالف لا يعني بالضرورة انتهاء العلاقات الأمنية بين العراق والولايات المتحدة.

بل إن الحكومة العراقية نفسها تحدثت عن مرحلة جديدة من الشراكة مع الولايات المتحدة، تشمل التعاون الاقتصادي والاستثماري والأمني.

وهذا يضع العراق أمام اختبار أكثر تعقيداً:

هل يستطيع العراق أن ينتقل من علاقة تقوم على وجود عسكري أجنبي إلى علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، من دون أن تتحول الشراكة إلى تبعية؟

فالتحالفات والشراكات ليست في حد ذاتها انتقاصاً من السيادة. الدولة المستقلة تستطيع أن تتعاون مع الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو إيران أو دول الخليج أو أوروبا، لكن الفارق الأساسي هو: هل تختار بغداد علاقاتها وفق مصالحها الوطنية، أم تُجبر على اختيارها وفق موازين القوى الخارجية؟

المشكلة ليست في خروج قوة واحدة فقط

إذا كان المطلوب هو استقلال القرار العراقي، فلا يكفي أن نراقب خروج القوات الأمريكية أو قوات التحالف.

فالعراق يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى وإقليمية عديدة. وهو محاط بأزمات وحروب وصراعات نفوذ، ويمتلك موقعاً جغرافياً وموارد اقتصادية وطاقة تجعله جزءاً مهماً من معادلات المنطقة.

ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس بالضرورة أن يستبدل العراق نفوذاً أمريكياً بنفوذ طرف آخر.

الخطر الأكبر هو أن يبقى القرار العراقي موزعاً بين إرادات متعددة.

فإذا خرجت القوات الأجنبية من العراق، بينما بقيت قوى سياسية أو مسلحة أو اقتصادية مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمحاور خارجية، فإن السؤال عن استقلال القرار سيظل قائماً.

وقد وضعت الاستراتيجية الوطنية للأمن القومي العراقي 2025–2030 هدفاً معلناً يقوم على التوازن في العلاقات الخارجية ورفض سياسات المحاور، إلى جانب تطوير القدرات الذاتية وتسريع إنهاء ملف التحالف الدولي.

وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الاستقلال لا يعني أن يعادي العراق الخارج، وإنما يعني ألا يتحول إلى تابع لهذا الخارج.

من يملك السلاح يملك جزءاً من القرار

ربما تكون المسألة الأمنية هي الاختبار الأصعب للسيادة العراقية.

فالدولة لا تستطيع أن تدعي امتلاك قرار مستقل بالكامل إذا كان استخدام القوة موزعاً بين مؤسسات رسمية وقوى مسلحة متعددة الولاءات أو الحسابات.

ولهذا ربطت الحكومة العراقية بين مرحلة ما بعد التحالف وبين حصر السلاح بيد الدولة، وأكدت أن احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة يمثل أحد مرتكزات بناء الدولة.

وهنا تتضح المفارقة:

خروج القوات الأجنبية يمنح الدولة مساحة أكبر للسيادة، لكن تحويل هذه المساحة إلى استقلال فعلي يحتاج إلى دولة قادرة على ملئها.

دولة تمتلك جيشاً قوياً، وأجهزة أمنية موحدة، وسياسة خارجية مستقلة، واقتصاداً قادراً على اتخاذ قراراته، ومؤسسات لا تخضع للابتزاز أو المحاصصة أو النفوذ الخارجي.

هل الانسحاب مراوغة سياسية؟

من الممكن أن ينظر البعض إلى الانتقال من الوجود العسكري إلى الشراكات السياسية والأمنية والاقتصادية باعتباره شكلاً من أشكال إعادة إنتاج النفوذ بوسائل مختلفة.

وهذا الطرح يستحق النقاش، لكنه يحتاج إلى دليل في كل حالة، ولا يكفي افتراضه لمجرد استمرار العلاقات بين البلدين.

فالنفوذ السياسي لا يساوي بالضرورة الاحتلال، كما أن التعاون الدولي لا يعني بالضرورة التبعية.

المعيار الحقيقي هو قدرة الدولة العراقية على الرفض كما هي قدرتها على القبول.

إذا كانت بغداد قادرة على عقد اتفاق مع واشنطن ثم رفض اتفاق آخر لا يتناسب مع مصالحها، وقادرة على التعاون مع طهران من دون أن تتحول إلى امتداد لسياساتها، وقادرة على بناء علاقات مع الدول العربية وتركيا وأوروبا والصين من دون الارتهان لأي محور، فهنا يصبح الحديث عن استقلال القرار أكثر واقعية.

أما إذا كان العراق مضطراً دائماً إلى مراعاة خطوط حمراء ترسم خارج حدوده، فإن مغادرة الجيوش لا تكفي وحدها لإعلان الاستقلال الكامل.

العراق أمام فرصة تاريخية

إن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي يمكن أن يمثل فرصة سياسية للعراق، وليس مجرد حدث عسكري.

فالفرصة تكمن في تحويل شعار السيادة من خطاب سياسي إلى مشروع دولة.

السيادة تعني أن تكون الحدود تحت سيطرة الدولة.

وتعني أن يكون السلاح تحت سلطة الدولة.

وتعني أن يكون قرار الحرب والسلام بيد مؤسساتها الدستورية.

وتعني أن تكون الثروة الوطنية أداة لبناء الدولة لا وسيلة للضغط عليها.

وتعني كذلك أن تكون العلاقات الخارجية متعددة ومتوازنة، بحيث لا يصبح العراق تابعاً لمحور دولي أو إقليمي.

وهذا قريب من الرؤية المعلنة في الاستراتيجية الوطنية للأمن القومي التي تدعو إلى التوازن في العلاقات الخارجية ورفض سياسات المحاور والاعتماد بصورة أكبر على القدرات الذاتية.

الاستقلال الحقيقي يبدأ بعد الانسحاب

ربما تكون المفارقة أن يوم خروج آخر جندي أجنبي ليس بالضرورة يوم اكتمال السيادة، بل يوم بدء اختبارها الحقيقي.

فالوجود العسكري الأجنبي يمكن قياسه بسهولة: قواعد، جنود، طائرات، مستشارون.

أما النفوذ السياسي والاقتصادي والاستراتيجي فهو أكثر تعقيداً وأصعب قياساً.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بعد خروج التحالف ليس:

من انتصر؟

بل:

هل أصبح القرار العراقي أكثر استقلالاً؟

هل يستطيع العراق أن يقول «نعم» عندما تتفق مصلحته مع طرف خارجي، وأن يقول «لا» عندما تتعارض معه؟

هل تستطيع الحكومة أن تمنع استخدام الأراضي والأجواء العراقية في الصراعات الإقليمية؟

هل تستطيع حماية علاقاتها مع الجميع دون أن تصبح جزءاً من صراع أحد؟

هل تستطيع مؤسسات الدولة وحدها أن تقرر السلاح والحرب والسلام؟

وهل تستطيع بغداد أن تجعل النفط والاقتصاد والعلاقات الدولية أدوات لخدمة المصلحة العراقية، لا أدوات ضغط على القرار الوطني؟

الخلاصة

خروج التحالف الدولي من العراق حدث مهم في مسار السيادة العراقية، لكنه لا ينبغي أن يُفهم باعتباره نهاية تلقائية لكل أشكال النفوذ الخارجي.

فالسيادة ليست فقط أن تخلو الأرض من الجيوش الأجنبية؛ السيادة أن يخلو القرار الوطني من الإملاء.

والاستقلال ليس أن يبتعد العراق عن العالم، بل أن يدخل العالم من موقع الدولة التي تعرف مصالحها وتدير علاقاتها وفقها.

لذلك فإن المرحلة المقبلة قد تكون أهم من مرحلة الانسحاب نفسها.

إذا استطاع العراق أن يحوّل انتهاء الوجود العسكري للتحالف إلى بناء مؤسسات قوية، وحصر السلاح بيد الدولة، وتنويع علاقاته الخارجية، وتعزيز اقتصاده، وحماية أجوائه وحدوده، ومنع أي قوة داخلية أو خارجية من احتكار القرار الوطني، فإن الانسحاب سيكون بالفعل خطوة نحو استقلال القرار.

أما إذا غادر الجندي الأجنبي وبقيت إرادته السياسية والاقتصادية والأمنية تُصاغ خارج بغداد، فإن المشكلة لم تنتهِ؛ وإنما تغير شكلها فقط.

وفي النهاية، لا تكون سيادة العراق مكتملة عندما يغادر الآخرون أرضه فحسب، وإنما عندما يصبح العراق قادراً على أن يقرر بنفسه: من يصادق، ومن يختلف، ومتى يتعاون، ومتى يرفض، وأين تقف مصالحه الوطنية.

وهنا تحديداً يبدأ الاستقلال الحقيقي.