العراق بين السيادة والشعار..!
محمد الكعبي ||

السيادة ليست كلمة تُقال في المناسبات، ولا شعارًا يُرفع في الخطب السياسية، ولا علما يُرفع فوق مبنى حكومي بل هو مفهوم سياسي وقانوني واجتماعي واسع، يرتبط بقدرة الدولة على امتلاك قرارها، وإدارة شؤونها، وحماية حدودها، والتحكم بمواردها، وتحديد مصالحها، وبناء علاقاتها الخارجية وفق ما تراه مناسبا لمصلحتها الوطنية بعيدا عن الضجيج والشعارات، وقد تناولنا مفهوم السيادة في مقال سابق، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو: هل العراق دولة سيادية بالمعنى العملي؟
هل القرار السياسي العراقي يُصنع في الداخل؟
هل يمتلك العراق حرية كاملة في التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية؟
هل يستطيع أن يفرض مصالحه في علاقاته مع الدول الأخرى؟
هل يملك السيطرة الكاملة على حدوده ومنافذه وموارده ومياهه وطاقته؟
وهل يستطيع أن يقول «نعم» أو «لا» انطلاقا من مصلحته الوطنية، دون أن تتحول إرادته إلى انعكاس لصراعات الآخرين؟
هذه الأسئلة ليست ترفا فكريا، بل هي جوهر الدولة الحديثة،
فالعراق دولة ذات سيادة وفق الدستور والقانون الدولي، لكن السيادة القانونية شيء، وممارسة السيادة بكفاءة واقتدار شيء آخر، فالدولة قد تكون مستقلة من الناحية القانونية، لكنها تعاني في الواقع من ضعف قدرتها على تنفيذ قراراتها أو حماية مصالحها أو ضبط جميع أدوات القوة داخل أراضيها، فالعراق يقف وسط منطقة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها المصالح الإيرانية والتركية والخليجية والأمريكية والدولية، وتتأثر بملفات الطاقة والمياه والأمن والنقل والتجارة والحدود والتحالفات والصراعات الإقليمية والدولية ولا يمكن للعراق أن يتعامل مع هذه الملفات بعقلية ردود الأفعال،
فالعلاقات الإيرانية الخليجية، والحرب الروسية الأوكرانية، والتحولات في النظام الدولي، وصعود الصين، والتنافس بين القوى الكبرى، وأمن الطاقة، ومستقبل الدولار، والملف التركي ـ الإيراني، وأزمة المياه، والنفط والغاز، والمنافذ الحدودية، والموانئ، والربط السككي، والاستثمارات، والديون والقروض، والاتفاقيات الدولية، كلها ملفات تمس بصورة مباشرة أو غير مباشرة الأمن القومي والمصلحة العراقية.
السؤال الأهم:
أين يقف العراق؟
وما هي مصلحته؟
وما هي أوراق القوة التي يمتلكها؟
وما الذي يستطيع أن يقدمه للآخرين وما الذي يستطيع أن يطلبه منهم؟
الدولة التي لا تعرف مصالحها بدقة، ولا تحدد أولوياتها، ولا تمتلك أدوات التفاوض، تتحول علاقاتها الخارجية من سياسة قائمة على المصالح إلى سياسة قائمة على ردود الأفعال، فالعراق يمتلك أوراق قوة لا تملكها دول كثيرة: النفط والغاز، الموقع الجغرافي، المنافذ البحرية، الأراضي الزراعية، الموارد البشرية، السوق الداخلية، التاريخ الحضاري، والموقع الذي يمكن أن يجعله حلقة وصل بين الخليج وتركيا وإيران وسوريا والأسواق الآسيوية والأوروبية، ان الثروة لا تتحول إلى قوة إلا إذا وجدت دولة تعرف كيف تديرها.
والموقع الجغرافي لا يتحول إلى نفوذ إلا إذا امتلكت الدولة رؤية استراتيجية وبنية تحتية ومؤسسات قادرة على استثماره.
والنفط لا يصنع دولة متقدمة إذا بقي اقتصادها رهينا لمورد واحد.
والتاريخ لا يبني المستقبل إذا تحول إلى مجرد قصائد نتغنى بها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يمتلك العراق؟
بل:
ماذا يفعل العراق بما يمتلك؟
وهنا تظهر أزمة النخب والقيادة والمشروع.
نحن في عام 2026، والعالم يتحرك بسرعة هائلة في التكنولوجيا والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والطاقة والنقل والصناعة والدبلوماسية والاتصال والمعلومات، بينما ما زالت أجزاء من المشهد السياسي العراقي تتحرك بأدوات تقليدية لا تتناسب مع طبيعة الدولة الحديثة، فلا يمكن إدارة دولة في القرن الحادي والعشرين بعقلية المزاج السياسي، وردة الفعل، والمصلحة الشخصية، والحسابات الحزبية الضيقة وتعدد القيادات والارادات والمحاصصة والمحسوبية واقصاء الكفاءات، ولا يمكن مواجهة العالم بسياسة «ماذا يحدث الآن؟»، بل بسياسة:
ماذا سيحدث بعد خمس سنوات؟ وبعد عشر سنوات؟
الدولة الحديثة لا تنتظر الأزمة حتى تقع ثم تبحث عن الحل، بل تمتلك مراكز دراسات وبيوت خبرة وأجهزة تخطيط واستشراف، وتقرأ المتغيرات قبل وقوعها، وتبني السيناريوهات، وتحدد البدائل.
فإذا كانت الدول الكبرى تخطط لعقود قادمة، فكيف يمكن للعراق أن يبقى أسيرا لدورة انتخابية أو أزمة سياسية أو صفقة آنية؟
العراق لا يعاني من فقر الموارد بقدر ما يعاني من أزمة إدارة.
لدينا النفط، ولكن الاقتصاد لا يزال شديد الاعتماد عليه.
لدينا الأراضي الزراعية، ولكن الزراعة تواجه تحديات المياه والإنتاج والتسويق والدعم والحداثة.
لدينا الجامعات والخريجون، ولكن الفجوة بين التعليم وسوق العمل ما زالت كبيرة.
لدينا الشباب، لكن البطالة وضعف الفرص يحولان جزءا من هذه الطاقة إلى عبء بدل أن تكون محركا للتنمية.
لدينا موقع استراتيجي، لكن تحويل الموقع إلى مركز تجاري ولوجستي يحتاج إلى بنية تحتية وتشريعات واستقرار وموانئ وطرق وسكك حديدية وإدارة حديثة.
ولدينا مؤسسات، لكن المؤسسة لا تصبح قوية بمجرد وجود اسمها في القانون؛ قوتها تبدأ عندما يكون القانون فوق الأشخاص، والوظيفة العامة فوق الولاءات، والكفاءة فوق المحسوبية.
من الخطأ أن نفهم السيادة على أنها مجرد مواجهة الخارج،
أخطر ما يهدد سيادة الدولة قد يكون داخلها.
فحين تضعف المؤسسات، وتتشابك مراكز القرار، وتنتشر المحاصصة، وتُقدّم الولاءات الشخصية والحزبية على الكفاءة، ويضعف تطبيق القانون، وتنتشر مظاهر الفساد، تصبح الدولة أقل قدرة على حماية قرارها ومصالحها فالسيادة تبدأ من وجود دولة قوية بمؤسساتها، لا بأشخاصها، وتبدأ من جيش وأجهزة أمنية تعمل وفق القانون، ومن قضاء مستقل، ومن إدارة مهنية، ومن اقتصاد متنوع، ومن تعليم قوي، ومن إعلام مسؤول، ومن دبلوماسية محترفة.
أما الدولة التي تتعدد فيها مراكز النفوذ، وتتنازعها الولاءات، فإن قرارها يصبح قابلا للتأثر من الداخل والخارج.
من الصعب أن تكون الدولة صاحبة قرار مستقل وهي شديدة الاعتماد على مصدر اقتصادي واحد.
فالاقتصاد جزء من السيادة.
والطاقة جزء من السيادة.
والغذاء جزء من السيادة.
والمياه جزء من السيادة.
والتكنولوجيا جزء من السيادة.
والأمن السيبراني جزء من السيادة.
والتعليم جزء من السيادة.
حتى المعرفة أصبحت اليوم جزءا من القوة الوطنية.
ولهذا فإن بناء اقتصاد عراقي متنوع ليس مشروعا اقتصاديا فقط، بل مشروع سيادة وطنية، إن الدولة التي تنتج غذاءها، وتبني صناعتها، وتطور جامعاتها، وتستثمر في التكنولوجيا، وتملك بنية تحتية حديثة، وتخلق فرص العمل، تكون أكثر قدرة على اتخاذ القرار المستقل من دولة تعتمد في أساسيات حياتها على الخارج.
التجارب الدولية تثبت أن الدول لا تُبنى بالأمنيات.
ألمانيا خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة، واليابان واجهت دمارا هائلا، والصين عانت عقودا من الفقر والتخلف والمخدرات، لكن هذه الدول استطاعت أن تعيد بناء مؤسساتها واقتصاداتها وتستثمر في التعليم والصناعة والتكنولوجيا والتخطيط طويل الأمد.
المهم في هذه التجارب ليس نسخها حرفيا، فلكل دولة تاريخها وثقافتها وظروفها، وإنما دراسة كيف استطاعت تلك الدول تحويل الكارثة إلى فرصة، والموارد إلى إنتاج، والتعليم إلى قوة، والتخطيط إلى نتائج.
وهناك تجارب عربية معاصرة تستحق الدراسة أيضا، ليس بهدف تقليدها بصورة عمياء، وإنما لمعرفة كيف يمكن للدولة أن تنتقل من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل، لا يمكن بناء دولة حديثة بعقل اجتماعي يرفض القانون ويقدس الأشخاص ويستهين بالعلم.
ولا يمكن إصلاح السياسة إذا بقي المجتمع نفسه يكافئ الفشل ويصفق للشعارات ويمنح الثقة لمن يشتري الولاء بدل أن يقدم مشروعا.
فالمواطن ليس متلقيا سلبيا، بل هو جزء من الدولة فعندما يصبح التصويت سلعة، والكفاءة آخر معيار، والانتماء الحزبي أو العشائري طريقا إلى الوظيفة، والتملق وسيلة للترقي، فإن المجتمع يشارك ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ في إنتاج المشكلة التي يشكو منها.
ولهذا فإن الإصلاح لا يبدأ فقط من البرلمان والحكومة، بل يبدأ من الإنسان نفسه.
من أفكاره.
من ثقافته.
من اختياراته.
من احترامه للقانون.
ومن قدرته على التمييز بين من يملك مشروعا للدولة ومن يملك مشروعا للسلطة.
التعليم والقانون: البداية الحقيقية لكل نجاح، إذا أردنا تغيير العراق، فعلينا أن نبدأ من مكانين لا يمكن بناء الدولة بدونهما:
التعليم والقانون.
التعليم يصنع الإنسان القادر على التفكير، والقانون يصنع البيئة التي تمنع القوة من التحول إلى فوضى.
لا نريد تعليما يقوم على الحفظ فقط، بل تعليما يصنع عقلا ناقدا، قادرا على البحث والتحليل والإبداع.
ولا نريد قانونا مكتوباعلى الورق فقط، بل قانونا يطبق على الجميع بلا استثناء.
فالدولة التي يكون فيها القانون قويا لا تحتاج إلى تقديس المسؤول.
والدولة التي يكون فيها التعليم قويا لا يسهل تضليل شعبها.
والدولة التي تكون فيها المؤسسات قوية لا تحتاج إلى وصاية الأشخاص، فالعراق ليس بحاجة إلى من يدير شؤونه بدلا عنه، ولا إلى أن يكون ساحة لصراع الآخرين، بل هو بحاجة إلى دولة تعرف مصلحتها وتحسن الدفاع عنها.
العلاقة مع إيران يجب أن تُبنى على المصالح العراقية.
والعلاقة مع تركيا يجب أن تُبنى على المصالح العراقية.
والعلاقة مع دول الخليج، والولايات المتحدة، والصين، وأوروبا، وروسيا، وسائر دول العالم، يجب أن تنطلق من قاعدة واحدة:
العراق أولا، والمصلحة الوطنية معيارا.
وهذا لا يعني العداء لأحد، كما لا يعني الارتماء في أحضان أحد.
السياسة الخارجية الناجحة ليست سياسة الأعداء الدائمين ولا الأصدقاء الدائمين، بل سياسة المصالح الوطنية الدائمة.
العراق لا يحتاج إلى شعارات جديدة بقدر حاجته إلى عقل جديد.
ولا يحتاج إلى تغيير الوجوه فقط، بل إلى تغيير قواعد العمل السياسي والإداري والاقتصادي.
نحتاج إلى مشروع وطني طويل الأمد، وإلى مؤسسات قوية، وإلى قيادة تمتلك المعرفة والخبرة والرؤية، وإلى نخب سياسية تضع الدولة فوق الحزب، والوطن فوق المصلحة الشخصية، والمستقبل فوق المكاسب الآنية.
العراق الذي علّم العالم الكتابة وشرّع القوانين لا يجوز أن يبقى أسيرا للفوضى الإدارية والفساد والمحاصصة وضعف التخطيط.
لكن الاعتزاز بالماضي وحده لا يبني المستقبل.
الأمم لا تعيش على أمجادها، بل على قدرتها على صناعة أمجاد جديدة، ولهذا فإن معركة العراق الحقيقية ليست فقط مع الفقر أو البطالة أو الفساد أو ضعف الخدمات؛ إنها معركة مع العقلية التي أنتجت هذه الأزمات وتعيد إنتاجها، نحتاج إلى إعادة الاعتبار للأسرة، والتعليم، والعلم، والقانون، والقدوة، والعمل، والإنتاج، والمسؤولية، والوطنية.
نحتاج إلى مجتمع لا يكافئ التفاهة، ولا يقدس الأشخاص، ولا يبيع صوته، ولا يجعل الوظيفة العامة غنيمة، ولا يرى الدولة مزرعة للأحزاب والجماعات، نحتاج إلى مواطن يعرف أن الوطن ليس مناسبة انتخابية، وليس شعارا في خطاب، وليس صورة على مواقع التواصل.
وفي النهاية، لا تُستعاد السيادة بالصراخ، ولا تُبنى الدولة بالغضب، ولا يتحقق الاستقلال بتغيير الأسماء فقط، السيادة تبدأ عندما يمتلك العراق مشروعه، وتملك مؤسساته قرارها، ويملك مواطنه وعيه، ويصبح القانون فوق الجميع، والمصلحة الوطنية فوق الولاءات، والعلم فوق الجهل، والكفاءة فوق المحسوبية.
واليوم بحمد الله تعالى بدئنا نلمس ان هناك دولة من خلال الخطوات المتبعة من ابناء العراق الأصلاء، حتى يصبح دولةً تملك قرارها، وتحمي مصالحها، وتحترم شعبها، ويتعامل معها الآخرون بوصفها دولةً لا ساحة.
العراق لن يكون حديقة خلفية للاخرين ابدا.
العراق أولا… لا شعارا، بل مشروع دولة.




