العراق اليوم… دولةٌ بين السيادة والسلاح والنفوذ..!
أمين السكافي ||

العراق اليوم ليس عراقَ الأمس، لكنه لم يصل بعد إلى العراق الذي يفترض أن يكونه. دولةٌ تمتلك جيشاً ومؤسسات وبرلماناً وحكومة وموارد نفطية هائلة، وفي الوقت نفسه تقف داخل شبكة معقدة من القوى السياسية والمذهبية والقومية والفصائل المسلحة، وتعيش بين نفوذين كبيرين: إيران والولايات المتحدة، فيما تحاول تركيا والسعودية ودول الخليج أن تجد لنفسها موقعاً متقدماً في المعادلة العراقية.
والأهم أن العراق لم يعد مجرد ساحة تتصارع عليها القوى الإقليمية؛ لقد أصبح لاعباً يريد أن يستعيد قراره، لكن استعادة القرار تصطدم بسؤال داخلي أكثر تعقيداً: من يملك السلاح؟ ومن يقرر الحرب والسلم؟ ومن يملك القرار السياسي والاقتصادي والأمني؟
بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة انتهت بتشكيل حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي في أيار/مايو 2026، بعد مفاوضات طويلة بين الإطار التنسيقي والقوى السنية والكردية. وقد بقي الإطار التنسيقي الشيعي القوة السياسية الأكبر، فيما جرى توزيع السلطة وفق التوازنات المعروفة بين المكونات. وحتى أيلول/سبتمبر ظلت بعض الحقائب الوزارية موضع خلاف، قبل أن يعلن الإطار الاتفاق على استكمال ملء الوزارات الشاغرة.
وهنا تبدأ المشكلة العراقية الحقيقية.
فالعراق لم يعد يعاني من خطر انهيار الدولة كما كان في سنوات الحرب على تنظيم «داعش»، لكنه يعاني من ازدواجية القوة: قوة الدولة الرسمية من جهة، وقوة الفصائل المسلحة المرتبطة بالحشد الشعبي من جهة أخرى.
والحشد الشعبي نفسه ليس تنظيماً واحداً متجانساً؛ فهو مؤسسة رسمية أُنشئت في إطار الدولة، وتضم تشكيلات وقوى ذات اتجاهات سياسية وعقائدية مختلفة. لكن عدداً من أقوى الفصائل المنضوية في البيئة الشيعية المسلحة يحتفظ بعلاقات وثيقة مع إيران، وبعضها يعلن صراحة أن سلاحه مرتبط بما يسميه «المقاومة» وليس فقط بالمؤسسة العسكرية العراقية.
وهذا هو الاختبار الأكبر أمام حكومة بغداد اليوم.
فالحكومة وضعت مسألة حصر السلاح بيد الدولة في صلب برنامجها، وربطت خطة نزع سلاح الفصائل أو دمجها بصورة أكبر في المؤسسات الأمنية بموعد انسحاب قوات التحالف الدولي في 30 أيلول/سبتمبر. لكن الفصائل الأقوى لم تقبل جميعها هذا الطرح. وقد ذكرت «رويترز» أن خمسة فصائل موالية لإيران رفضت الموعد المحدد لتسليم السلاح أو حل تشكيلاتها، بينما اشترطت كتائب حزب الله ضمان خروج القوات الأميركية وإنهاء النفوذ الأميركي السياسي والاقتصادي قبل بحث ملف السلاح.
وهنا لا بد من التوقف عند العلاقة بين الفصائل والدولة.
الفصائل تقول، في جوهر خطابها، إن وجود القوات الأميركية يجعل استمرار السلاح ضرورة للمقاومة وحماية السيادة. والحكومة تقول إن اكتمال السيادة نفسها يتطلب أن يكون قرار الحرب والسلم والسلاح بيد مؤسسات الدولة.
وبين الموقفين تقف بغداد.
فاللجوء إلى القوة لنزع سلاح الفصائل قد يفتح مواجهة داخلية بين قوى تنتمي إلى البيئة السياسية والاجتماعية نفسها، بينما ترك السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة يعني استمرار مشكلة الدولة ذات القرار الأمني المزدوج. ولذلك فإن الملف ليس أمنياً فقط، بل سياسي واجتماعي ومذهبي وإقليمي في آن واحد. وقد خلص تحليل حديث لمعهد كارنيغي إلى أن هدف الحكومة في ضبط السلاح يواجه قيوداً كبيرة بسبب الحرب الإقليمية، لكنه يرى أن بغداد تستطيع البدء بإصلاح وضع الحشد وإعادة تنظيم علاقته بالدولة.
والأخطر أن هذه القضية خرجت من الداخل العراقي إلى المجال الإقليمي.
ففي أيلول/سبتمبر تعرضت منشآت نفطية سعودية لهجمات بطائرات مسيّرة انطلقت، وفق السلطات العراقية، من الأراضي العراقية، فيما لم تتبنَّ جهة المسؤولية عن الهجمات، ونفت «المقاومة الإسلامية في العراق» مسؤوليتها عنها. وحددت الأجهزة العراقية آثار إطلاق في منطقة الطيب بمحافظة ميسان قرب الحدود الإيرانية.
وهنا وجدت بغداد نفسها أمام معادلة حساسة: كيف تمنع استخدام أراضيها لضرب دولة مجاورة من دون أن تدخل في مواجهة مع الفصائل المسلحة التي تتحرك داخل الأراضي العراقية؟
أما العلاقة مع إيران فهي أعمق من مسألة الفصائل وحدها.
إيران والعراق يشتركان في حدود طويلة، وتجارة واسعة، وروابط دينية ومذهبية واجتماعية عميقة، كما أن لإيران تأثيراً سياسياً واضحاً في عدد من القوى الشيعية العراقية. لكن بغداد لا تستطيع أن تتحول إلى تابع لطهران؛ فالعراق يحاول منذ سنوات صياغة سياسة تقوم على إبقاء علاقاته مع إيران، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة والدول العربية وتركيا.
وهذا ما يجعل العراق مهماً لطهران وواشنطن معاً.
أما الولايات المتحدة، فقد انتقلت علاقتها بالعراق تدريجياً من مهمة الحرب المباشرة ضد «داعش» إلى علاقة أمنية وسياسية واقتصادية أكثر تعقيداً. لكن بقاء القوات الأميركية وقواعدها ونفوذها السياسي والاقتصادي يمثل أحد أهم أسباب الخلاف بين واشنطن والفصائل المسلحة. وفي المقابل ترى واشنطن أن بغداد تستطيع أن تكون دولة مستقرة وشريكاً إقليمياً إذا تمكنت من فرض سلطة مؤسساتها الأمنية.
وهنا يظهر التناقض: واشنطن تريد عراقاً قوياً، لكنها تريد أيضاً أن يبقى بعيداً عن النفوذ الإيراني؛ وطهران تريد عراقاً مستقراً، لكنها لا تريد أن يتحول استقراره إلى منصة للنفوذ الأميركي. أما بغداد فتريد أن تأخذ من الطرفين ما تحتاج إليه من دون أن تتحول إلى ساحة صراع بينهما.
وفي الشمال، هناك تركيا وكردستان.
العلاقة بين بغداد وأربيل ما زالت محكومة بملفات النفط والميزانية والصلاحيات الاتحادية وعلاقة الإقليم بالمركز. وفي الوقت نفسه تشكل تركيا لاعباً بالغ الأهمية بسبب التجارة والطاقة والأمن والحدود، فضلاً عن ملف حزب العمال الكردستاني.
واللافت أن مشروع «طريق التنمية» العراقي، الذي يربط الخليج بتركيا وأوروبا، أصبح واحداً من أهم المشاريع الاستراتيجية للعراق، لكنه يصطدم أيضاً بعقدة كردية معقدة تتعلق بمسار الطريق وعلاقة بغداد بأربيل، وبملف حزب العمال الكردستاني، وبالتطورات الكردية السورية.
اقتصادياً، يبقى النفط نقطة القوة ونقطة الضعف في آن واحد.
فالعراق يعتمد بصورة شديدة على صادرات النفط لتمويل الدولة، وأدت اضطرابات الملاحة المرتبطة بالحرب مع إيران إلى دفع بغداد للبحث عن طرق بديلة للتصدير. وفي 13 أيلول بدأت تجربة نقل النفط بالشاحنات من الحقول الجنوبية إلى كركوك لدعم التصدير عبر ميناء جيهان التركي، في محاولة لتعويض جزء من القيود التي فرضتها أزمة هرمز.
وهذا يكشف أن موقع العراق الجغرافي قد يتحول من عبء إلى فرصة.
فالعراق يستطيع أن يكون جسراً بين الخليج وتركيا، وبين إيران والعالم العربي، وبين آسيا وأوروبا. لكنه لا يستطيع لعب هذا الدور ما لم ينجح أولاً في ترتيب بيته الداخلي.
وهنا تكمن صورة العراق اليوم: الشيعة ليسوا كتلة سياسية واحدة، والسنة ليسوا كتلة واحدة، والأكراد ليسوا كتلة واحدة، والفصائل ليست كلها على موقف واحد، والعلاقة مع إيران ليست بديلاً كاملاً عن العلاقة مع أميركا، والعلاقة مع أميركا لا تلغي حاجة العراق إلى إيران، وتركيا لا تستطيع تجاهل بغداد، والسعودية لا تريد عراقاً معادياً، وإيران لا تريد عراقاً تابعاً للخصوم.
العراق، باختصار، يقف عند مفترق طرق.
فإما أن تتحول الدولة تدريجياً إلى المرجعية التي تتجمع حولها السياسة والسلاح والاقتصاد والعلاقات الخارجية، وإما أن يبقى العراق دولة قوية في مؤسساتها على الورق، ومتعددة مراكز القرار في الواقع.
لكن الطريق إلى الدولة العراقية الكاملة لا يمر فقط عبر نزع السلاح، بل عبر بناء تسوية وطنية جديدة بين مكونات العراق، وتنظيم العلاقة بين بغداد وأربيل، وإعادة تعريف علاقة الفصائل بالمؤسسة العسكرية، وتحويل النفط من مورد للإنفاق السياسي إلى قاعدة لبناء اقتصاد منتج، والأهم: إقامة علاقات متوازنة مع إيران وأميركا وتركيا والخليج تقوم على المصلحة العراقية أولاً.
فالعراق اليوم لا يبحث فقط عن حكومة جديدة.
إنه يبحث عن تعريف جديد للدولة نفسها: دولة لا تعادي جيرانها، ولا تسمح لهم بإدارة قرارها، ولا تجعل من أرضها ساحة لحروب الآخرين، ولا تقطع جسورها مع أحد، لكنها تعرف في النهاية أن لها كلمة واحدة يجب أن تُسمع فوق كل الكلمات: كلمة العراق .




