المرجعية الدينية وحفظ المجتمع العراقي..!
الشيخ أكبر علي الشحماني ||

مقدمة
يحتلّ الدين في المجتمع العراقي موقعاً مهماً، ليس بوصفه منظومة عبادية فحسب، بل باعتباره أحد العوامل المؤثرة في القيم الاجتماعية والأخلاقية وفي مواجهة الأزمات. وفي هذا السياق برزت المرجعية الدينية في النجف الأشرف بوصفها مؤسسة دينية ذات حضور اجتماعي واسع، خصوصاً في المحطات التي مرّ فيها العراق بأزمات أمنية وسياسية واجتماعية حادة.
ولا يقتصر مفهوم حفظ المجتمع على مواجهة الإرهاب، بل يشمل أيضاً حماية وحدة العراقيين، وصيانة الدماء، ومكافحة الفساد، والدعوة إلى العدالة، واحترام القانون، والحفاظ على مؤسسات الدولة، ومنع الانزلاق إلى الفوضى والاقتتال الداخلي.
أولاً: المرجعية الدينية ودورها في المجتمع
تقوم المرجعية الدينية، في تصورها التقليدي، بدور ديني وإرشادي، إلا أن الظروف العراقية جعلت صوتها حاضراً في قضايا تتجاوز الجانب الفقهي إلى الشأن العام، من خلال التوجيه والنصح والدعوة إلى الإصلاح وحماية المجتمع.
وقد أكدت المرجعية في مناسبات مختلفة أن الإصلاح ينبغي أن يقوم على الكفاءة والنزاهة والعدالة واحترام القانون والمصلحة العامة، وأن اختيار المسؤولين لا ينبغي أن يقوم على المصالح الشخصية أو العصبية أو المحاصصة.
ومن هنا يمكن النظر إلى دور المرجعية باعتباره أحد أشكال الإرشاد الاجتماعي والأخلاقي الذي يسعى إلى الحد من الأزمات وحماية المجتمع من تفكك مؤسساته.
ثانياً: المرجعية وحماية العراق من الإرهاب
كانت سنة 2014 إحدى أبرز المحطات التي ظهر فيها الدور العام للمرجعية الدينية بصورة واضحة. ففي أعقاب تمدد تنظيم داعش في مساحات واسعة من العراق، صدر نداء المرجعية للدفاع عن العراق وشعبه ومقدساته.
وأكدت المرجعية أن الدعوة للدفاع لم تكن موجهة إلى طائفة دون أخرى، بل إلى العراقيين القادرين على الدفاع عن بلدهم، في مواجهة تنظيم كان يستهدف مختلف مكونات المجتمع العراقي ومقدساته.
وفي عام 2019، جرى التأكيد مجدداً على أن فتوى الدفاع الكفائي أسهمت في تعبئة العراقيين للدفاع عن البلاد ومواجهة داعش، وأن المتطوعين جاؤوا من شرائح اجتماعية مختلفة.
كما أشادت الأمم المتحدة في عام 2014 بدور المرجعية في الدعوة إلى الوحدة العراقية، وحذرت في الوقت نفسه من الخطاب الطائفي والأعمال الانتقامية التي يمكن أن تزيد الصراع تعقيداً.
ثالثاً: حفظ الوحدة الوطنية
من أهم عناصر حفظ المجتمع العراقي منع تحويل الاختلاف المذهبي والديني والقومي إلى صراع داخلي.
وقد ظهرت في خطاب المرجعية مواقف تؤكد وحدة العراق ورفض الانتقام الطائفي، مع التأكيد على أن العراقيين، بمختلف مذاهبهم وأديانهم، شركاء في وطن واحد.
وهذا المبدأ مهم بصورة خاصة في العراق، لأن المجتمع يضم مكونات متعددة، وأي انهيار في الثقة بين هذه المكونات يمكن أن يتحول إلى أزمة سياسية وأمنية واسعة.
لذلك فإن حماية الوحدة الوطنية لا تعني إلغاء الخصوصيات الدينية والمذهبية، وإنما تعني تحويل التعدد إلى عنصر من عناصر التعايش والاستقرار.
رابعاً: المرجعية ومكافحة الفساد
لا يقتصر حفظ المجتمع على الجانب الأمني؛ فالفساد الإداري والمالي، وضعف الخدمات، وسوء إدارة المال العام، والمحسوبية، كلها عوامل تؤثر في استقرار المجتمع.
وقد دعت المرجعية إلى مكافحة الفساد واستعادة الأموال العامة وتحقيق العدالة الاجتماعية، كما دعت إلى اعتماد الكفاءة في التوظيف والابتعاد عن المحاصصة والمحسوبية.
وفي هذا الإطار يصبح الإصلاح الإداري جزءاً من حماية المجتمع؛ لأن الدولة التي تقدم خدمات عادلة وتحاسب الفاسدين وتضمن تكافؤ الفرص تكون أكثر قدرة على بناء الثقة بين المواطن ومؤسساتها.
خامساً: المرجعية وحماية الدولة والقانون
من القضايا التي تكررت في خطاب المرجعية التأكيد على أهمية الدولة ومؤسساتها الرسمية.
ففي أثناء الاحتجاجات العراقية عام 2019، شددت المرجعية على ضرورة حفظ الأمن والنظام، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وأكدت مسؤولية القوات الأمنية الرسمية عن حفظ الاستقرار، مع ضرورة التزامها بالمهنية وعدم استخدام العنف غير المبرر.
كما دعت في سياق الإصلاح إلى حصر السلاح بيد الدولة، ومواجهة التدخلات الخارجية، وتعزيز مؤسسات الدولة والقانون.
وهذا يكشف أن مفهوم حفظ المجتمع في خطاب المرجعية يرتبط بالأمن والقانون معاً، وليس بمجرد القوة العسكرية.
سادساً: المرجعية والإصلاح السياسي
ترى المرجعية أن إصلاح النظام السياسي يرتبط بوعي المواطن واختيار المسؤولين على أساس الكفاءة والنزاهة.
وفي موقفها الانتخابي لعام 2018، أكدت أن القرار الانتخابي يعود إلى المواطن، ودعت إلى فحص سير المرشحين وعدم انتخاب من يثبت عدم أهليته أو تورطه بالفساد، كما أكدت أنها لا تدعم شخصاً أو قائمة بعينها.
وفي عام 2021، أكدت أيضاً أهمية تدقيق الناخبين في سير المرشحين واختيار من تتوافر فيه الصلاحية والنزاهة والحرص على سيادة العراق وأمنه وازدهاره.
وهنا يظهر أن المرجعية يمكن أن تؤثر في الحياة العامة من خلال التوجيه العام من دون أن يعني ذلك بالضرورة الدخول في التفاصيل التنفيذية لإدارة الدولة.
سابعاً: المرجعية وحماية السلم الاجتماعي
السلم الاجتماعي في العراق يحتاج إلى مجموعة من المبادئ، أبرزها:
احترام الدم العراقي.
رفض العنف الداخلي.
حماية الممتلكات العامة والخاصة.
احترام التنوع الديني والمذهبي والقومي.
الاحتكام إلى القانون.
مكافحة خطاب الكراهية والتحريض.
معالجة أسباب الفقر والبطالة والفساد.
تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وقد شددت المرجعية خلال احتجاجات 2019 على سلمية الحراك، ورفض العنف والتخريب، مع تأكيد مشروعية المطالب الإصلاحية.
ثامناً: المرجعية والمجتمع بعد مرحلة داعش
بعد انتهاء المعارك الكبرى ضد داعش، لم تعد حماية المجتمع العراقي مرتبطة بالمعركة العسكرية وحدها. فقد ظهرت تحديات أخرى، منها إعادة بناء الثقة بين المكونات، ومعالجة آثار الحرب، وإعادة النازحين، وحماية الشباب من التطرف، ومحاربة الفساد، وتعزيز سيادة القانون.
ومن المهم هنا الانتقال من ثقافة التعبئة وقت الخطر إلى ثقافة بناء الدولة والمجتمع وقت الاستقرار.
فحماية العراق على المدى الطويل تحتاج إلى مؤسسات قوية، وتعليم جيد، واقتصاد منتج، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية مهنية، ومجتمع قادر على معالجة خلافاته بالوسائل السلمية.
خاتمة
يمكن القول إن تجربة المرجعية الدينية في العراق تُظهر أن دور المؤسسة الدينية في الأزمات يمكن أن يمتد إلى مجالات حماية المجتمع، والدعوة إلى الوحدة، ومواجهة الإرهاب، والإصلاح السياسي، ومكافحة الفساد، والدفاع عن السلم الاجتماعي.
لكن حفظ المجتمع العراقي مسؤولية مشتركة؛ فالمرجعية تستطيع التوجيه والإرشاد، بينما تقع مسؤولية إدارة الدولة وتنفيذ القوانين على المؤسسات الدستورية، وتبقى مسؤولية المواطن في الوعي والمشاركة والالتزام بالقانون جزءاً أساسياً من عملية بناء المجتمع.
وبذلك يصبح حفظ العراق مشروعاً مجتمعياً متكاملاً: مرجعية دينية توجه، ودولة تطبق القانون، ومؤسسات تحمي الحقوق، ومواطن يشارك بوعي، ومكونات اجتماعية تتعايش على أساس المواطنة والعدالة.




