الخميس - 01 اكتوبر 2026

قال تعالى: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا… ﴿سورة آل عمران: 141﴾..!

منذ يومين
الخميس - 01 اكتوبر 2026

السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا… ﴿سورة آل عمران: 141﴾..!

الشدائد تصنع الإنسان، والأزمات تكشف حقيقته التي قد يغفل عنها حال الأمن والرخاء، تلك هي الحقيقة التي لا تُنكَر، وتلك هي حكمة الله فيما يشاء ويقدِّر، وهذا معنى ما جاء في الروايات الشريفة من أن أكثر الناس إيمانًا أكثرهم ابتلاءً، لضرورة تصفية نفس المؤمن وتنقيتها من أي شائبة، وتزكيتها وزيادة فضائلها، وما يحتاجه الفرد تحتاجه الجماعة، بل هي أحوج ما تكون إلى ذلك، إلى أن تُمَحَّص وتُغربَل بين الفينة والفينة، لا سيما إذا كانت الجماعة تحمل أمانة مشروعٍ إلهيٍّ يواجه مشاريع الشياطين، والشياطين دُهاة وطغاة، ولديهم من الإمكانات والقدرات ما ليس للجماعة، وهم على استعداد لاستخدام جميع الوسائل غير المشروعة في صراعهم مع المؤمنين، مما يفرض على الجماعة المؤمنة مواجهة تحديات كبرى قد لا يثبت لها إلا من مُحِّض الإيمان بالله وبمشروعه محضًا.

ذلك ما تفيده الآية الكريمة: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. والتمحيص لغة: التنقية والتخليص من الشوائب، ومنه تمحيص الذهب، حين يُفصل الخالص منه عمّا علق به من شوائب.

وعليه فإن تمحيص الذين آمنوا يعني تنقيتهم وتخليصهم من كل ما يشوب إيمانهم من نقص أو ذنوب أو ضعف، فالإنسان لا يعرف حقيقة نفسه إلا عندما يوضع تحت الضغط. وقد رُوِيَ عن الإمام أمير المؤمنين قولٌ مهمٌ في هذا المجال، يكشف عن معادلة حتمية التحقق، لا تتبدّل ولا تتغيَّر: “في تَقَلُّبِ الأَحْوالِ عِلْمُ جَواهِرِ الرِّجالِ” فالإنسان تظهر حقيقته حين تتبدَّل أحواله، لا حين تكون حياته آمنة مستقرة وادعة.

إن الشدائد هي المرآة التي ترينا حقيقتنا، وتكشف ما استقر في أعماقنا، أما الرخاء والأمان فيجعلاننا نرى من أنفسنا ما نحب أن نراه، ولهذا فإن النفع الذي يأتي به البلاء أكثر بكثير من النفع الذي يأتي به الرخاء، لأن البلاء يكشف لنا ما لم نكن نراه في أنفسنا، ويدعونا إلى إصلاح العيوب وترميم النفوس، وتجديد الإيمان.

ومن هنا كان التمحيص ضروريًا للفرد كما الجماعة، وكما كشفت الهزيمة التي لحقت بالمسلمين في معركة أُحُد –والآية التي بين أيدينا جاءت في سياق الحديث عن نتائج هذه المعركة- الخلل الكبير الذي كان من بعض المسلمين وأدى إلى ما أدى إليه من نتائج قاسية، كذلك ما يحدث للجماعة المؤمنة على طول التاريخ من انكسارات، وما تصاب به من مصائب وخسائر، يكشفان لها ثغرات تحجبها الانتصارات، وتحجبها الأحوال المستقرة، لأن الإنسان يكون في الأحوال المستقرة أقل ميلًا إلى مراجعة نفسه، أما الهزيمة فتضع الأسئلة المؤلمة أمامه: لماذا حدث ما حدث، ولماذا أخطأنا، وأين تكمن نقاط ضعفنا ونقاط قوتنا، وما الذي نحتاجه لعلاجها، وهكذا.

ولا يتم التمحيص بطريقة واحدة، فقد يكون بالشدة بعد الرخاء، وقد يكون بالرخاء بعد الشدة، وقد يكون بالإفقار، وقد يكون بالإغناء، قال تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴿15﴾ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴿سورة الفجر: 16﴾. ففي كلا الحالَين يُمَحّص الفرد والجماعة، والغاية من ذلك أن يعرفا النعم ويقدرا قيمتها، وقد يكون التمحيص بالأمن أو الخوف حتى يتعلَّم الثبات، وقد يكون بخسارة ما يملك، حتى يتجنَّب التعلُّق بالأشياء، وقد يكون بالفشل، حتى يكتشف أخطاءه، وقد يكون بتأخّر النتائج، حتى يتعلم الصبر.

وقد رُوِيَ عن رسول الله (ص) أنه قال: “قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَعِبَادًا لَا يَصْلُحُ لَهُمْ أَمْرُ دِينِهِمْ إِلَّا بِالْغِنَى وَالسَّعَةِ وَالصِّحَّةِ فِي الْبَدَنِ، فَأَبْلُوهُمْ بِالْغِنَى وَالسَّعَةِ وَصِحَّةِ الْبَدَنِ، فَيَصْلُحُ لَهُمْ عَلَيْهِ أُمُورُ دِينِهِمْ. وَإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَعِبَادًا لَا يَصْلُحُ أَمْرُ دِينِهِمْ إِلَّا بِالْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالسُّقْمِ فِي أَبْدَانِهِمْ، فَأَبْلُوهُمْ بِالْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالسُّقْمِ، فَيَصْلُحُ لَهُمْ عَلَيْهِ أَمْرُ دِينِهِمْ”.

ختامًا أقول: إن أعظم ما يقدمه التمحيص أنه لا يكتفي بكشف العيوب والثغرات، بل يعيد بناء الإنسان من جديد، فكأنه بعد التمحيص يولد من جديد، ولكنه يولد ومعه خبرته وتجربته، ومعه معرفة جديدة، ونمط سلوك جديد، وهذا هو معنى التنقية في أجلى صوره.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 29/9/2026 الساعة (05:20)