الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026
منذ 32 دقيقة
الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026

د. محمد سيد أحمد ـ مصر ||

محمد سيد

 

 

أن يقترح رجل أعمال بيع قناة السويس لسداد ديون مصر، فهذه ليست مجرد فكرة اقتصادية جريئة تستحق النقاش، بل فكرة تستدعي التوقف طويلًا أمام حدود ما يجوز أن يدخل في حسابات السوق وما لا يجوز. فالاقتصاد يمكن أن يختلف حوله الخبراء، والسياسات يمكن أن تراجع وتنتقد، والديون يمكن إعادة هيكلتها وإدارتها، لكن السيادة الوطنية ليست بندًا في ميزانية، ولا أصلًا يقيم بالدولار ثم يعرض للبيع. قناة السويس ليست شركة عادية ولا عقارًا استثماريًا؛ إنها شريان استراتيجي عالمي يقع تحت السيادة المصرية، وجزء أصيل من تاريخ الدولة المصرية ومكانتها وقدرتها على التأثير في محيطها والعالم.

المشكلة في هذا الطرح أنه ينظر إلى القناة بعين المحاسب فقط، فيحسب الإيرادات والقيمة السوقية، لكنه يتجاهل قيمة أخرى لا تظهر في دفاتر الحسابات: قيمة السيادة والنفوذ والأمن القومي. السؤال ليس: كم سيدخل إلى الخزانة المصرية إذا بيعت القناة؟ السؤال الأخطر هو: ماذا ستخسر مصر إذا فقدت السيطرة على أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية؟ الأصل الاستراتيجي لا تقاس قيمته بما يدره من أموال فحسب، وإنما بما يمنحه للدولة من استقلال في القرار وقدرة على حماية مصالحها والتأثير في محيطها. ومن هنا فإن تحويل قناة السويس إلى مجرد “أصل قابل للبيع” هو خطأ في تعريف الأصل قبل أن يكون خطأ اقتصاديًا.

ثم إن تاريخ قناة السويس نفسه يكفي ليجعل التعامل معها بمنطق البيع أمرًا شديد الحساسية. فمنذ أن ارتبطت القناة بالصراع على النفوذ والسيادة، وصولًا إلى قرار تأميم شركة قناة السويس عام 1956 وما أعقبه من العدوان الثلاثي، أصبحت القناة في الوعي المصري رمزًا للاستقلال الوطني واستعادة القرار. ولذلك لا يمكن التعامل معها اليوم باعتبارها قطعة من الممتلكات يمكن التخلص منها تحت ضغط أزمة مالية. مصر لم تستعد سيادتها على القناة لكي تعود بعد عقود فتضعها في مزاد تحت عنوان سداد الديون.

والأخطر أن قبول هذا المنطق يفتح سؤالًا لا يمكن الهروب منه: إذا كان بيع قناة السويس حلًا لأزمة الديون، فما الأصل الذي سيأتي بعد ذلك؟ النيل؟ الأهرامات؟ سيناء؟ البحر الأحمر؟ ولماذا نتوقف عند حدود معينة إذا أصبح المعيار الوحيد هو كم من المال يمكن أن نحصل عليه؟ بالطبع لا أحد يتحدث بجدية عن بيع النيل أو الأهرامات أو سيناء، لأن مجرد طرح الفكرة يبدو عبثيًا؛ وهنا تحديدًا تكمن المفارقة: هناك أشياء لا يجوز اختزالها في سعر، لأنها ليست مجرد ممتلكات، وإنما مكونات للهوية والسيادة والوجود الوطني.

مصر لا تحتاج إلى بيع مفاتيح قوتها حتى تسدد ديونها؛ مصر تحتاج إلى اقتصاد أقوى يجعلها قادرة على سداد ديونها من الإنتاج والعمل والاستثمار الحقيقي. الطريق ليس في تصفية الأصول الاستراتيجية، وإنما في زيادة الصادرات، وتعميق التصنيع، وتنشيط السياحة، وجذب الاستثمار المنتج، وتحسين بيئة الأعمال، وتعظيم الإيرادات، وترشيد الإنفاق، وإدارة الأصول بكفاءة، وإعادة النظر في السياسات التي تحتاج إلى مراجعة. الدولة التي تبيع أصلًا استراتيجيًا لتحصل على سيولة اليوم قد تكتشف غدًا أنها باعت جزءًا من قدرتها على صناعة المستقبل.

ومن حق رجال الأعمال والخبراء والمواطنين أن يطرحوا رؤاهم الاقتصادية مهما كانت جريئة، ومن حق الدولة والمجتمع أن يناقشوها بلا خوف أو مصادرة. لكن الجرأة الاقتصادية لا تعني إسقاط الاعتبارات الاستراتيجية، والاستثمار لا يعني التنازل، والانفتاح على رأس المال لا يعني تحويل كل ما تملكه الدولة إلى سلعة قابلة للتداول. مصر تحتاج إلى شراكات استثمارية تضيف إنتاجًا وتكنولوجيا وفرص عمل وتزيد قدرتها التنافسية، لا إلى حلول سريعة تستبدل أزمة مالية مؤقتة بخسارة استراتيجية دائمة.

ولعل أخطر ما في فكرة بيع قناة السويس أنها تنقل النقاش من سؤال “كيف نصلح الاقتصاد؟” إلى سؤال “ماذا نبيع من مصر كي ندفع فاتورة الأزمة؟”. وهذا هو السؤال الخطأ تمامًا. الديون تدار، والأزمات تعالج، والسياسات تصحح، والاقتصادات تعاد هيكلتها؛ أما السيادة فلا ينبغي أن تكون أداة لسداد فاتورة مالية. وإذا كانت هناك أخطاء في إدارة الاقتصاد، فالحل هو إصلاحها ومحاسبة المسؤول عنها ووضع رؤية إنتاجية طويلة الأجل، لا البحث عن أثمن ما تملك الدولة وبيعه.

في النهاية، يمكن أن نختلف على سعر الصرف، وعلى الاقتراض، وعلى إدارة الاقتصاد، وعلى أولويات الإنفاق والاستثمار، ويمكن أن نختلف حتى في تقييم أداء الحكومة؛ فهذا كله طبيعي في أي دولة. لكن هناك خطوطًا ينبغي ألا تختلط: قناة السويس ليست مجرد مصدر دخل، ومصر ليست شركة تبحث عن مشترٍ، والسيادة المصرية ليست رقمًا في ميزانية. ومن يريد مساعدة مصر في مواجهة ديونها، فليقدم مشروعًا يزيد إنتاجها، واستثمارًا يخلق فرص عمل، وتكنولوجيا ترفع قدرتها التنافسية، وأفكارًا تزيد صادراتها وإيراداتها. أما اختزال الحل في بيع قناة السويس، فالإجابة يجب أن تكون واضحة وقاطعة: نسدد ديوننا بإعادة بناء اقتصادنا، لا ببيع مفاتيح قوتنا.. قناة السويس مصرية، ومصر ليست للبيع، اللهم بلغت اللهم فاشهد.