من نور المولد إلى فجر الأقصى.. أمةٌ تستعيد وعيها وتكسر قيود الخذلان..!
القاضي/ حسين بن محمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن ||
حسين محمد المهدي
{قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّـهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}
الرضا بقضاء الله وقدره ونعمه ونبوة نبيه محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- راحة وطمأنينة وسكينة.
فنعمة الرضا نعمة عظيمة يمن الله بها على من يشاء من عباده، فيفيض هذا الرضا سعادة ونوراً وبهجة وسروراً وراحة بال، يغمر بها الحب قلبَ وتفكيرَ من يرضَ بهذه النعمة ويشكر الله عليها، ليعمل بجد وعزيمة لا يعرف الوهن والحزن، يطيع الله ويتبع منهج نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويذكر الله ويشكره، ويعبده راضياً بقسمة الله شاكراً لأنعمه، يعمل الصالحات ويسعى إلى اكتساب الحسنات، إن أصابته نعماء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، ولا يكون ذلك إلا لأهل الإيمان، وخير أهل الزمان، وفي القرآن العظيم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكِ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}.
فالرضا يثمر الشكر، وهو أعلى درجات الإيمان، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “ما من مسلم أو إنسان أو عبد يقول حين يمسي وحين يصبح رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً إلا كان حقاً على الله أن يرضيه يوم القيامة”، وفي رواية أخرى: “من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً غُفر له ذنبه”.
فالرضا يجلب الطمأنينة والسكينة، ويساعد على التفكير في حل الأزمات، وهو من الأسباب الجالبة للخيرات المساعدة على التحرر من الأفكار السالبة، والجموح المادي غير المشروع، كالنظر إلى ما عند الغير من ثروة أو وجاهة أو سلطة ومحاولة سلب ذلك الغير ما أعطاه الله ومنحه حتى وإن كان جاراً.
فالإنسان المؤمن -سواء كان فرداً أو شعباً أو زعيماً- راضٍ بما قسم الله له، فهو لا يبحث عن الأسباب الجالبة للشقاء على الآخرين، ففي الحديث النبوي الصحيح: “ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً”.
فالرضا بألوهية الله يتضمن عبادته، والإخلاص له، والرضا بربوبية الحق سبحانه وتعالى يتضمن الرضا بتدبيره وتقديره بأمور عباده، ويتضمن إفراده سبحانه وتعالى بالتوكل عليه، والاستعانة به والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضياً بكل ما يفعله به، وفي الحديث النبوي: “وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس”.
والرضا بمحمد -صلى الله عليه وآله وسلم- نبياً ورسولاً يتضمن كمال الانقياد له، والفرح والسرور بمولده وبعثته، فقد بشر الله عباده بمقدم النبي العظيم ورسالته الكريمة إلى الناس كافة بلسان نبيه عيسى بن مريم عليه السلام حيث حكى الله عنه: {وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}. فمولده عليه الصلاة والسلام نعمة وبعثته كرامة ونعمة، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}.
وقد جاء في الحديث: “كنت نبياً وآدم بين الطين والماء”.
فالرضا بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإيمان به يقتضي كمال الإيمان.
ومن ثمرات الرضا الفرح والسرور برضا الرب تبارك وتعالى، وفي القرآن العظيم: {وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّـهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ}.
فمن التزم التقوى واقتفى سبيل من أناب إلى ربه، واتبع سنة نبيه، وتدبر في قول العزيز الحكيم: {وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ}؛ فاز برضا الرحمن.
أما الرضا بالإسلام ديناً فإنه يتضمن الرضا بحكمه، وامتثال أمره والانتهاء عن نهيه رضا كاملاً.
والرضا بالله رباً فرض، ومن لم يرضَ بربه لم يصح له إسلام ولا عمل، ولا حال.
والرضا يخلص الإنسان من الظنون والهموم والأحزان، ومن لم يرضَ بنبوة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يكتمل إيمانه، ولم يصح إسلامه.
فالعاقل يرضَى بما كتب الله له ولأمته ولشعبه ولإخوانه، فهو لا يخاصم ربه في أقضيته وأحكامه.
فإبليس خاصم ربه في قضائه وحكمه، ولم يرضَ عنه تكريمه لآدم عليه السلام، ونازع ربه في عظمتِهِ وكبريائه وحكمه؛ فأخرجه الله من جنته، وقال سبحانه: {قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ}.
فلا تُرضِ الناس بسخط الله -الذي أسبغ عليك نعمة المال والجاه والسلطة- مراضاة لأعداء الإسلام؛ تكن من الخاسرين.
ففي الحديث النبوي: “من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس”.
فمن يرضَ عن أمر مشين لم يرضَ عنه العزيز العليم.
علمتني الحياة أن الرضا … زاد من رام في الحياة قبولا
وإن المرء صان قلباً عزيزاً … عن أذى الناس عاش فيهم نبيلا
يجعل الحلم في الخصام سلاحاً … فهو أهدى من الصدام سبيلا
لا تظنَنَّ أن مجدك يبنى … بالأماني فاعمل المستحيلا
واجعل الذكر في فؤادك نوراً … يملأ الروح طمأنينة وقبولا
فالحياة التي نعيش قليل … فاغتنمها بالخير وازرع جميلا
إننا في هذه الأيام المباركة نمر بذكرى مولد النبي الأعظم محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- نستبشر ونفرح بهذه المناسبة العزيزة الغالية التي تحل على المسلمين بالفرح والرضا:
أطل في أفق الدنيا سنا الأمناء … فأشرقت بعد طول الليل أضواء
واستبشرت بمجيء المصطفى أمم … وتاه من فرح التوحيد أعداء
يوم به ولد المختار فانطلقت … من عالم الغيب للتاريخ أنباء
كأنما الأرض لما جاء مولده … روض تفتح في أرجائه الماء
والحق أقبل بعد اليأس مبتسماً … والباطل المنهك المذعور إغواء
جاء الأمين بآيات مبينة … فيها من الحق للأرواح إحياء
يا رب ارزقنا اتباع المصطفى أبداً … ففي اتباع الهدى للروح إحياء
واجعل محبته في القلب صادقة … فالصدق في الحب للأحباب إرضاء
صلى عليك إله العرش ما بقيت … دنيا وما بقي في الكون أحياء
إننا في مناسبة المولد النبوي الشريف ندعو الأمة إلى التوحد والوقوف في وجه الصهيونية، ورفع راية الجهاد إنقاذًا للشعب الأبي الفلسطيني وتحرير الأقصى الشريف وإنقاذ المظلومين في غزة، والالتفاف حول راية الجهاد التي يرفعها أنصار الله في يمن الإيمان والحكمة بقيادة قائد المسيرة القرآنية السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، والذي نرفع إليه وإلى كافة أبناء الأمة المجاهدين في كل شبر من أرض الإسلام بأسمى آيات التهاني بهذه المناسبة الغالية، نسأل الله لنا ولهم وللأمة الإسلامية الظفر والتمكين والفتح المبين {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.




