الكلك وذاكرة الطوفان..!
عباس سرحان ||

لم أكن قد جاوزتُ الرابعة من عمري بعد، في تلك الليلة التي وقعت أحداثها على مشارف نهاية عام 1971، وللطفولة ذاكرة لا تُشبه ذاكرة الكبار؛ فهي لا تحتفظ بالتواريخ ولا بالأرقام، بل تحتفظ بالصراخ، ورائحة الطين، وصوتِ أمٍّ حين تفزع. تلك الليلة التي أتحدث عنها لم أعِشها بوعيي، بل عشتُها بمزيج من الخوف والرجاء.
استيقظتُ على صوت أمي وهي تصرخ “فيضان… فيضان!” وكان في صوتها رعب قديم توارثته نساء الجنوب جيلاً بعد جيل، رعبٌ لا
يُحتاج الى تفسير ومبررات، فالماء حين يغضب لا يمهل ضحاياه، وكم قد غضبه في جنوب العراق قديما.
بيتنا الذي شُيّد من القصب والبردي، كان يُظلّلنا صيفاً ويُدفئنا شتاءً، يبعد عن الحافة الغربية لنهر دجلة بنحو مئتي متر. كان النهر جارنا الوديع طوال العام، نشرب من مائه ونغسل فيه ثيابنا وأوانينا ونسبح فيه هربا من حرارة القيظ، فإذا به في تلك الليلة يتحوّل إلى وحشٍ تنكّر للجيرة ولم يصن الجوار.
قال لي أبي، رحمه الله، عصر ذلك اليوم، بصوتٍ خفيضٍ يحاول إخفاء قلقه “الله يستر من هذه الليلة… إن اجتاز الماء هذه السدة المتهالكة، فستعوم بيوتنا، ونغرق.”
لم يكن كلامه موجّهاً إليّ، بل كان أقرب إلى حديثٍ يُجريه الرجل مع نفسه، محاولاً إقناعها بما لا يستطيع عقله إنكاره.
ولم تمرّ سوى ساعات حتى انهارت السدة التي أقامها المزارعون بمساحيهم البسيطة، تلك السدة التي كانت كل ما يفصل حياتنا الآمنة عن هذا الطوفان الزاحف.
اندفعت المياه نحو المنخفض الذي تقوم عليه مساكننا، ولم يعد أمام أبي وقتٌ للتفكير، بل كان الوقت كله رهنا للعمل لانقاذ ما يمكن انقاذه.
هرع إلى أكوام القصب والبردي في حوش الدار، وبدأ يرصّها بسرعةٍ محمومة، تصنعها يداه على هيئة ما يعرفه أهل الجنوب بـ”الكَلَك” أو “الجَلَج”، وهي كلمة سريانية تعني ما يطفو على الماء.
كانت يداه تعملان بإتقانٍ توارثته الأجيال، وكأنهما تتذكران المألوف دون الحاجة الى التفكير، فالنجاة أحياناً معرفةٌ تسكن أعصاب المرء وعضلاته قبل أن تسكن فكره.
لم نكن وحدنا في تلك المحنة؛ فقد كان جيراننا من أبناء القرية يخوضون المعركة نفسها، كلٌّ في زاوية بيته الغريق. كنتُ أسمع من بعيد أصواتاً أخرى تتقاطع مع صوت أمي، صراخ نساءٍ وأطفال، ونداءات رجالٍ يتصايحون في العتمة.
كل عائلةٍ كانت تصنع “كلكها ” الخاص من بقايا بيتها الذي التهمته المياه، فما كان يُبنى به الجدار بالأمس أصبح اليوم قارب نجاة. لم يكن نهر دجلة تلك الليلة ليغرق بيتاً واحداً، بل كان يستهدف القرية بأكملها، وكانت كلها، بيتاً بيتاً، تخوض معه المعركة ذاتها برعب مشترك.
كانت تلك الليلة مرعبة، لكنها كانت أيضاً الليلة التي رأيتُ فيها أبي بطلاً حقيقياً. كان عليه أن ينقذ عائلة من خمسة أرواح، وكان وحده الجسر بيننا وبين الحياة.
انجلى الصباح عن مشهدٍ لا يُنسى، طوفانٌ هائل من الماء يغمر المنطقة المنخفضة التي يسميها أهل القرية “الهاسي”، شمال مدينة القرنة في البصرة، بمحاذاة الطريق العام الذي يربط البصرة بالعمارة.
كان المشهد أشبه بطوفان نوح، وكان هدير المياه يُسمع من بعيد، صوتاً لا يعرف الرحمة ولا يميّز بين بيتٍ وبيت. وما زال أبي يسبح مقاوماً تيار الماء العاتي، يشدّ “الكلك” الذي تجمّعنا عليه أنا وأمي وأخي وأختي، متلاصقين كقططٍ حاصرتها المياه من كل جانب.
وفي تلك اللحظات، كان المشهد يتخلله سؤالٌ داخليٌّ ساذج كالطفولة لم أبح به وقتها، هل يعرف الماء أنه يأخذ منا كل شيء؟ وهل يشعر النهر الذي روى أجدادنا ومزروعاتهم وحيواناتهم لقرون، انه يحاول إغراقنا؟
لم نتمكن من اصطحاب الكثير من أشيائنا من بيتنا الذي ابتلعته المياه، لكن “حُلّانة التمر” كانت حاضرة، وكذلك كيسٌ من القمح وبعض الأغطية. تلك الأشياء البسيطة، في لحظتها أثمن من كنوز الدنيا، لأنها تعني أننا سنأكل، ونتدفأ.إننا ببساطة، سنعيش.
أما أكبر ما خسرناه تلك الليلة فلم يكن جدران البيت ولا سقفه، بل كانت “الهِلثة”، تلك الآنية الطينية الضخمة التي يتجاوز ارتفاعها المترين وقد يزيد قطرها على المتر، والتي بنتها أمي، كغيرها من نساء القرية، من طين الأرض، طبقةً فوق طبقة، لتكون خزانة القمح التي تحفظ لنا قوت العام كله.
لم يكن ممكناً أن تُحمَل مثل هذه الآنية الضخمة على كَلَك، ولا أن تُنقَذ من أمواج اعادتها الى أصلها الطيني، فابتلعها الطوفان كما ابتلع جدران القصب، وابتلع معها تعب أمي وصبرها وسهرها الطويل في صناعتها.
كنتُ صغيراً حينها، لكنني أذكر وجه أمي وهي تنظر إلى المكان الذي كانت “الهلثة” تنتصب فيه، نظرة من فقد جزءاً من ذاكرته لا من ممتلكاته فحسب؛ فتلك الآنية لم تكن مجرد وعاءٍ لخزن حبوب القمح، بل كانت امتداداً لتقليدٍ توارثته نساء وادي الرافدين جيلاً عن جيل، منذ أن عرف الإنسان في هذه الأرض كيف يخزن فائض حصاده في أوعية من الطين ليأمن غائلة الجوع.
تمكّن أبي أخيرا، بقوةٍ لا أعرف من أين استمدّها، من أن يوصلنا سالمين إلى مرتفع “الخَيط”، تلك الأرض التي كانت عصيّة على معظم الفيضانات التي مرّت بها عبر السنين، والتي شكّلت ملاذاً لأهل القرية كلما غضب النهر.
بقينا ذلك النهار في العراء، تحت سماءٍ لم تكن ترحمنا بظلٍّ ولا بسقف، ولم نجد ما نأكله سوى تمر وخبزٍ يُعدّ على عجل، يسميه أهل الجنوب “الحنّاية”، خبزٌ بطعم النجاة.
غير أن المحنة لم تنتهِ بوصولنا إلى اليابسة؛ فأرض “الخيط”، بعدما أحاطت بها المياه من كل جهة، أصبحت هي الأخرى ملاذاً، لكن لضيوفٍ آخرين، الأفاعي والعقارب التي طردها الفيضان من جحورها كما طردنا من بيوتنا.
وجدنا أنفسنا، نحن الناجين من الماء، في مواجهةٍ جديدة، ليس مع نهرٍ هائج هذه المرة، بل مع كائناتٍ سامة تتقاسم معنا الشبر الأخير من الأرض الجافة. كنا نحرس أنفسنا ليلاً، بعيون متعبة وأجساد منهكة.
مرّت السنون بعد ذلك بطيئةً كخطى شيخٍ متعب، وشهدت تلك الأرض معارك وحروبًا، وكانت شاهدةً على هزائم ومظالم وغياباتٍ قاسية. وتحول ذلك الجزء من سومر العظيمة، الذي كان يومًا مصبًّا لمياه طوفانية تُغرق القرى وتُفزع الأطفال، إلى أرضٍ تشكو العطش وتستغيث بالسماء.
المفارقة التي لا يُصدّقها من لم يعشها هي أننا، نحن أبناء ذلك الطوفان، صرنا اليوم ندفع للجار التركي مليون برميلٍ من النفط يومياً، لعله يتكرّم علينا بقليلٍ من الماء الذي جمعه منذ سنين طويلة بين جبال تركيا الشامخة، ليقايضنا به قطرة قطرة.
وأسأل نفسي أحياناً، وأنا أستعيد صورة ذلك الكَلَك الذي حمل أرواحنا الخمس فوق الماء الهائج، أي قدرٍ هذا الذي يجعل الأمة التي أغرقها النهر بالأمس، تتوسّل إليه اليوم أن يرحمها بقطرة ماء؟
لقد علّمتني تلك الليلة أن النِّعَم التي وهبها الله تعالى مجانًا لكل البشر، من ماءٍ وهواءٍ وضوء، ستكون شحيحة حين يحتكرها الظالمون ويجعلونها سلعةً تُباع وتُشترى.
كما علّمتني أن النِّعَم حين تكون وفيرة ينسى الناس شكرها، فإذا ما قلّت أو مُنعت، تذكّروا أنها كانت يومًا هبةً إلهية لا تُقدّر بثمن.




