من ثورة العشرين إلى جرف النصر.. هؤلاء نحن فمن أنتم؟!
عباس سرحان ||

(منذ أن أعلنت رصاصات الفرات الأوسط عام 1920 ميلاد ثورة العشرين، وحتى صرخات المقاتلين في جرف النصر عام 2014 وهم يصدّون زحف داعش، لم يتغيّر شيء سوى وجوه الطغاة والمتآمرين. أما المدافعون عن العراق فهم أنفسهم، أبناء الجنوب، ملح الأرض وحماة الوطن، الذين يقاتلون من أجل العراق لا من أجل سلطة، ويثبتون في كل معركة أن هذا الوطن لا يقوم إلا بسواعدهم.)
قبل أيام، وقف رجل يحمل لقب “شيخ عشيرة” ونائبًا سابقًا في البرلمان، ليصف تحرير “جرف النصر” من قبضة داعش بأنه “احتلال”، وليتهم من حرروها من الجيش العراقي والحشد الشعبي بأنهم “قوات احتلال تعمل بأوامر خارجية”. الرجل هو عدنان الجنابي، والحادثة أثارت موجة استنكار واسعة، ووصفها سياسيون عراقيون بأنها “خطاب طائفي بالمطلق”.
قد يظن من يسمع هذا الكلام للوهلة الأولى أنه اجتهاد سياسي عابر أو زلة لسان غير مقصودة. لكن الحقيقة ليست كذلك، فهذا الخطاب صدى لنغمة قديمة، عزفها من قبل معلّم هذا النوع من الخطاب الطاغية صدام حسين.
ففي نيسان 1991، بعد أسابيع قليلة فقط من الانتفاضة الشعبانية التي هزّت عرشه عقب هزيمته المروعة في الكويت ودمار شامل لحق بالعراق وعار لم يُمحَ، لم يفعل الطاغية ما كان يليق برئيس يشعر بمسؤوليته تجاه شعبه. لم يراجع نفسه، ولم يعتذر عن حرب فرضها هو بنفسه على العراقيين، بل التفت إلى جزء من شعبه – أبناء الجنوب – وصبّ عليهم جام غضبه.
وكتب سلسلة مقالات في صحيفة “الثورة” الناطقة الرسمية باسم حزب البعث، تضمنت عبارات إهانة وتحقير صريحة بحق سكان الجنوب والأهوار خصوصًا، وشككت في عروبتهم وعراقيتهم وشرفهم.
والمفارقة الفاضحة أن صدام نفسه كان يمجّد أبناء الجنوب قبل أن يهاجمهم بسنوات قليلة، حين كانوا وقودًا لحربه العبثية على إيران، كان يدعوهم يومها بـ”أحفاد السومريين” و”بناة الحضارة”، ويصف المرأة العراقية بـ”الماجدة”.
فما الذي تغيّر؟ لم يتغيّر شيء في هوية هؤلاء الناس، بل تغيّرت حاجة الطاغية إليهم. فحين كانوا يُقتلون من أجله في جبهات الحرب، كانوا “أحفاد الحضارة”، وحين انتفضوا رفضًا لجبروته بعد الهزيمة، شكك بنسبهم وثقافتهم وطعن بشرفهم.
والحقيقة أن ما فعله صدام في تلك المقالات لم يكن زلة لسان عابرة، بل كان مشروعًا لبس فيه ثوب الطائفية والعنصرية ليبرر لنفسه ما ارتكبه من عمليات قتل واسعة بحق أهل الجنوب أثناء قمع انتفاضتهم، وليزرع التناحر داخل النسيج العراقي الواحد، حتى يستمر حكمه متكئًا على هذا الانقسام بدل أن يقوم على وحدة شعبه.
وهذا هو جوهر الاستبداد في كل زمان. حين يعجز الحاكم عن أن يحكم بشرعية حقيقية، يلجأ إلى تقسيم شعبه ليضمن بقاءه، فإذا انشغل الناس بالاقتتال فيما بينهم، نسوا أن يحاسبوه هو عن جرائمه.
و
لا شك أن الرئيس المحترم لا ينتهج هذا النهج. فالرئيس الحكيم الصالح السوي هو من يجمع شعبه ولا يفرّقه، ويحفظ بلاده ولا يمزقها، ويصون ثرواتها ولا يبددها. فأرض أي وطن وثرواته ليست ملكًا شخصيًا لرئيس الدولة، فهو ليس أكثر من موظف حكومي بمنصب رفيع، مهمته إدارة شؤون شعبه، لا الاستقواء عليه، ولا تسخير إمكانات الدولة لضربه أو ضرب فئة منه، كما فعل صدام حسين وحزب البعث طوال عقود من الحكم.
تصريح الجنابي، يأتي استنساخا لنفس المنطق الذي استخدمه صدام حسين قبل عقود، تجريد الخصم من انتمائه وشرعيته وتخوينه لتبرير الانتهاك والتعدي عليه، فكما شكك صدام يومًا في “عروبة” و”عراقية” أبناء الجنوب واتهمهم في أصولهم، يُعاد اليوم استخدام نفس الأداة الخطابية لخدمة غايات سياسية ضيقة.
لكن الحقيقة التي يحاول هذا الخطاب المتكرر طمسها في كل مرة هي أن أبناء الجنوب هم ملح هذا الوطن وحماته الحقيقيون عبر التاريخ، ولا أهمية تذكر للتشكيك بانتمائهم. فمنهم انطلقت شرارة ثورة العشرين عام 1920 من الفرات الأوسط – الرميثة والنجف وكربلاء والديوانية – لتكون أول ثورة شعبية منظمة ضد الاحتلال البريطاني، ولتؤسس لمفهوم الدولة العراقية الحديثة ذاتها.
ومنهم خرجت مرجعيات دينية كان لمواقفها الأثر الأعمق في حماية العراق، وآخرها فتوى المرجع الأعلى السيد علي السيستاني عام 2014 بالجهاد الكفائي، التي جمعت العراقيين لصد زحف داعش حين كانت المؤسسات الرسمية على وشك الانهيار.
ومن أرض الجنوب أيضًا نبغ من أسسوا صرح اللغة العربية نفسها؛ فأبو الأسود الدؤلي، واضع أول قواعد النحو العربي، كان من البصرة، وفيها عاش الخليل بن أحمد الفراهيدي، مؤسس علم العروض وصاحب أول معجم عربي، وسيبويه، صاحب “الكتاب” الذي ظل مرجع النحاة قرونًا.
ومن الجنوب أيضًا خرج شعراء غيّروا وجه القصيدة العربية الحديثة، كبدر شاكر السياب، رائد الشعر الحر، ابن قرية جيكور قرب البصرة، ومحمد مهدي الجواهري، شاعر العرب الأكبر في القرن العشرين، ابن النجف الأشرف.
والأهم من هذا كله أن أبناء الجنوب كانوا، وما زالوا، الأكثر استعدادًا للقتال من أجل العراق، وهم في الوقت ذاته الأقل انتفاعًا من خيراته وثرواته، بينما قاتل كثيرون غيرهم – أو بالأحرى امتنعوا عن القتال – من أجل السلطة والتسلط على العراقيين لا من أجل العراق نفسه. ويكفي أن نتذكر عام 2003 حين سلّم جنرالات صدام حسين مواقعهم ومحافظاتهم بأكملها للقوات الأمريكية دون طلقة واحدة، بقي أبناء أم قصر الجنوبية – المدينة الصغيرة الفقيرة على الحدود – يقاومون ويقاتلون أيامًا، بإمكانات لا تُذكر أمام جيش غازٍ بأحدث ما أنتجته الترسانة العسكرية في العالم.
وهذا الكرم والانتماء الوحدوي لأبناء الجنوب يتجلى أيضًا في موقف أعمق وأصعب اختبارًا، فالثروة النفطية الهائلة التي تختزنها أرض الجنوب – وهي عصب اقتصاد العراق كله – لم يسعَ أهلها يومًا لاحتكارها أو تسخيرها لإنعاش واقعهم المحلي وحدهم، كما فعلت جهات أخرى في مناطق مختلفة من العراق منذ عام 2003، حين سعت بعض الأطراف إلى فرض سيطرتها على موارد مناطقها وإدارتها بمعزل عن الدولة المركزية.
لقد ظل الجنوبيون، رغم الحرمان والتهميش الذي عانوه طويلاً، متمسكين بفكرة أن ثروة العراق ملك لكل العراقيين، لا وسيلة لانفصال أو استئثار، وهذا في حد ذاته درس في الانتماء الوطني يستحق أن يُقدّر، لا أن يُقابَل بتشكيك في عروبتهم أو وصفهم بالاحتلال. تلك هي الحقيقة التي يحاول كل خطاب طائفي، من صدام إلى ورثته، أن يطمسها. أن من يُتّهم زورًا بالخيانة، هو في الغالب من دفع أغلى الأثمان دفاعًا عن الوطن، ومن امتلك القدرة على الاستئثار فاختار الشراكة بدلًا منه.




