•• العرق دساس..!
عبد الجليل الزبيدي ||

في عام 1987 ,صديقي كاتب مغمور بعقلية عقائدية ، سلم ادارة تحرير جريدة الثورة الناطقة باسم حزب البعث بحثا مقتضبا حول ،( الاسلام والعروبة ) وفي محاولة لتمرير البحث الى النشر ضمنه أقوالا لميشيل عفلق والياس فرح ( معتقدا انه يستطيع ان يخدعهم ) إذ انه حافظ على اصل الفكرة التي اراد ان يوصلها وهي ان العرب توحدوا وتشكلت ثقافتهم بفضل الاسلام وهو ما يتقاطع مع عقيدة حزب البعث المصرح بها انذاك التي تعتبر الاسلام ( نتاجا ثقافيا طبيعيا للعقل العربي ).
في اليوم التالي رافقته الى الجريده ليحصل على رأي ادارتها .
وبعد انتظار ، تحدث الينا أحد الكتاب المعروفين والمسؤول عن الصفحة الثالثة في الجريدة ( …) ليخبرنا التالي : المقال لايصلح للنشر ويتقاطع مع سياسة وتوجه الجريدة ..
صديقي سال : اين المشكله ؟
اجابه الموظف : اسمع اقلك من الاخير … انا مسؤول النشر في الصفحة ولا اسمح بنشر اي مقال سياسي ، ثقافي ، اجتماعي .. قبل ان اضع يدي على الورقة واشعر بحرارة توكد لي ان الكاتب بعثي حقيقي .
في المانيا اليوم يجرم اي كاتب او اعلامي يشير تلميحا الى الفكر النازي باعتباره يتعارض مع القوانين ومع النهج الليبرالي .
في اميركا وفي عام 1969اعتقل عشرات الصحفيين اليساريين و الكتاب المعارضين للحرب في فيتنام باعتبار ان تلك الحرب كانت مهمة وطنية تتعلق بالامن القومي ولحماية ( العالم الحر ) وفق العقيدة الليبرالية – الرأسمالية .
في العراق وبعد عام 2003 لم يكن قادة النظام الديمقراطي عقائديين ولم يفرضوا ايدلوجياتهم على المؤسسات الثقافية والاعلامية والقطاعات المهنية وذلك الى حد الاعتقاد بان هؤلاء الحكام الجدد غير مبالين وغير معنيين بتأسيس ثقافة جماعية انتقالية تعتمد الترويج للوحدة الوطنية ونبذ الافكار العنصرية والطائفية في عهد وعقد سياسي واجتماعي جديد قائم على فكرة الديمقراطية والحريات البناءة .
واعتقادا بان السلطة باتت طوع أمرها ،لم تتردد الاحزاب والجماعات السياسية المشاركة في تأسيس النظام الجديد ، في رعاية وتشغيل كتاب وصحفيين وفنانين ، هم امتداد لعقلية موروثة ومن ايدلوجية نظام القمع والديكتاتورية والتمييز العنصري والطائفي السابق .
يقول ( ح . ال ) وهو عضو المكتب العسكري لحزب البعث انه هو واربعة من رفاقه ممن كانوا ضباطا في جهاز المخابرات : قد تم قبولنا وبسهولة في الدائرة الاعلامية لرئاسة الجمهورية عام 2006 !!
واعتقد ان غياب المنهج الفكري وعدم الرغبة في ادلجة المؤسسات الثقافية والاعلامية لاسباب ذاتية واخرى ناجمة عن جهل وغوغائية سياسية .. قد افضى الى ان دعمت جماعة اسلامية،تولي بعثيين لقيادة نقابات مهنية ومنها نقابة الصحفيين ،بالاضافة الى الاعتماد على كتاب مؤدلجين من حقبة النظام الديكتاتوري في تولي مسؤوليات ادارية رفيعة ومهمة في الهرم الثقافي والمهني في العراق .
هذه الثغرة خلقت انطباعا لدى مناهضي النظام الجديد بان الامور سائبة وبالتالي حفزتهم على تبني خطة اختراق كبيرة حينما اوعز عزت ابراهيم الدوري في عام 2012 لتنظيمات الحزب بترشيح اعضاء فعليين وحقيقيين في تنظيمات حزب البعث لرئاسة وعضوية ادارة نقابات المحامين والادباء والفنانيين .
ان ماكتبته الصحفية مينا امير الحلو ومن خلال التحليل الدقيق لدلالات ما ارادت التعبير عنه هو في الحقيقة يقع في صلب سياسة نظام البعث ورؤيته لمكونات العاصمة بغداد .
كلام مينا هو اكيد نتاج ايدلوجي لوالدها أمير الحلو والذي كان هو ضمن الحاضرين في المؤتمر الذي عقدته جامعة البكر للدراسات العسكرية في تشرين الثاني عام 1991 وكان عنوانه ( خطة الامن الاستراتيجي لمدينة بغداد )
خلال المؤتمر تحدث الدكتور علاء الدين نورس مستشار الرئيس في مجال التاريخ الاسلامي وقال (( ان تزايد اعداد الشيعة الجنوبيين في مدينة بغداد ، يعد قفزة عدائية وتحدي لمنظومة الحكم المتوارثة منذ 1200 عام …)).
لاحظوا معي مدى التطابق في الفكرة بين ما كتبته مينا الحلو وما يقصد به الدكتور نورس . !!؟
اعتقد ان قضية مينا الحلو هي جرس انذار للتنبيه الى ان الجسم الاعلامي والثقافي لاينسجم ولا يتناغم مع متطلبات مرحلة بناء عقلية الانسان العراقي وانتقاله من حقبة يعدم فيها العراقي على الطرفه الى مرحلة يطلق رئيس الجمهورية الطرائف حول نفسه .. والفاصلة كبيرة وتعد بمثابة صدمة حضارية ،كان يفترض استيعابها عبر مرحلة انتقالية منظمة وممنهجة .




