السبت - 01 اغسطس 2026
منذ ساعتين
السبت - 01 اغسطس 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

مؤشرات عودة الحرب بين واشنطن وطهران باتت واضحة، وإحتمالات إقحام العراق والخليج والأردن وسوريا غير مستبعدة، فهل ستندلع مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة وإيران؟ ومن أين ستبدأ؟ وكيف ستُدار؟ ومن سيدفع الثمن الأكبر؟ فالمنطقة تشهد سلسلة متسارعة من التطورات العسكرية والسياسية توحي بأن حالة “الهدوء الحذر” التي أعقبت جولات التصعيد السابقة بدأت تتآكل تدريجيًا، لتحل محلها مرحلة جديدة من إعادة التموضع العسكري، ورفع الجاهزية، وإستعراض القوة، وتبادل الرسائل بالنار.

ما تقدم يعزز المخاوف من أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مواجهة قد تكون الأكثر إتساعًا منذ سنوات، ولعل أخطر ما يميز المرحلة الحالية هو أن الحرب، إن وقعت لن تكون مواجهة تقليدية بين دولتين، وإنما شبكة واسعة من الصراعات المتزامنة تمتد من الخليج العربي إلى العراق وسوريا والأردن، وربما تصل إلى البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط، بما يجعل معظم دول المنطقة جزءًا من مسرح العمليات، سواء أرادت ذلك أم لم ترد.

تدرك واشنطن أن أي صِدام مباشر مع طهران لن يقتصر على الجبهة الإيرانية، بل سيمتد إلى ساحات النفوذ الإقليمي، حيث تمتلك إيران شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة القادرة على فتح أكثر من جبهة في توقيت واحد، وفي المقابل تدرك طهران أن الولايات المتحدة تعتمد على قواعدها العسكرية المنتشرة في العراق والخليج والأردن وسوريا بإعتبارها العمود الفقري لأي عملية عسكرية واسعة.

ولهذا السبب، يبدو العراق المرشح الأول ليكون ساحة الإشتباك الأكثر سخونة؛ فوجود القواعد الأمريكية، إلى جانب الفصائل المسلحة المرتبطة بمحور المقاومة، يجعل أي تصعيد بين واشنطن وطهران قابلاً للتحول سريعًا إلى مواجهات داخل الأراضي العراقية، وهو ما يضع الحكومة العراقية أمام إختبار بالغ الصعوبة؛ بين الحفاظ على السيادة ومنع إنزلاق البلاد إلى حرب بالوكالة، أما دول الخليج فإنها تواجه معادلة أمنية معقدة؛ فمن جهة ترتبط بتحالفات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتستضيف قواعد ومنشآت عسكرية ذات أهمية كبيرة، ومن جهة أخرى تدرك أن أي حرب واسعة ستجعل منشآتها النفطية وموانئها وممراتها البحرية أهدافًا محتملة، وهو ما قد ينعكس مباشرة على الإقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

الأردن بدوره لم يعد بعيدًا عن دائرة الخطر، فموقعه الجغرافي وتحوله إلى محور لوجستي مهم في التحركات العسكرية الغربية يجعله عرضة لتداعيات أي مواجهة إقليمية، سواء عبر تهديدات أمنية مباشرة أو من خلال موجات نزوح جديدة وإضطرابات حدودية، أما سوريا فهي ما تزال الساحة الأكثر قابلية للإشتعال، نظراً لتداخل الوجود العسكري الأمريكي والإيراني والروسي والإسرائيلي فيها، الأمر الذي يجعل أي خطأ في الحسابات أو أي ضربة متبادلة قابلة لإشعال مواجهة أوسع يصعب إحتواؤها.

التأريخ يعلمنا بأن الحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بقرار سياسي معلن، بل قد تبدأ بضربة محدودة، أو هجوم على قاعدة عسكرية، أو عملية إغتيال، أو سوء تقدير ميداني، ثم تتدحرج كرة النار والأحداث بوتيرة أسرع من قدرة السياسيين على إحتوائها وإيقافها، ومن هنا فإن أخطر ما يواجه الشرق الأوسط اليوم ليس فقط إحتمال الحرب، وإنما كثافة المؤشرات التي تسبقها : تصاعد الخطاب العسكري، إعادة الإنتشار، تبادل الإنذارات، وتزايد الإستعدادات الدفاعية والهجومية، وإذا لم تُترجم هذه التطورات إلى مسار دبلوماسي سريع جداً يخفف الإحتقان، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام مرحلة جديدة يكون عنوانها الأبرز حرب متعددة الجبهات.

الأيام المقبلة ستكون حاسمة ويبدو أن القنوات الدبلوماسية فشلت في إحتواء التصعيد، وقد تعود المنطقة إلى سياسة الردع المتبادل؛ ونشهد حاليا تصعيد لغة القوة وتلويح ترامب بأن أمر ما سيحصل نهاية الأسبوع الحالي ويبدو أن الحسابات الخاطئة تكاثرت، ويبدو بأن شرارة الحرب أشتعلت فعلاً بعد توجيه السفارة الأميركية في بغداد لرعاياها بمغادرة بغداد والشرق الأوسط بأسرع وقت؛ لا نستبعد المواجهة الإقليمية الواسعة، ولن يكون فيها منتصر حقيقي، بل سيكون خاسرون كُثر، وستدفع شعوب المنطقة ثمنًا باهظًا من أمنها وإستقرارها وإقتصادها، اليد على الزناد وجميع الأطراف قررت المواجهة، و سيدفع العراق ودول الخليج والأردن وسوريا جانبًا كبيرًا من كلفتها، بينما تبقى المواجهة الأساسية بين واشنطن وطهران.

 

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع
١ آب ٢٠٢٦