الأحد - 05 يوليو 2026

بين الإمام والولي: الثورة التي لا تنطفئ..!

منذ ساعتين
الأحد - 05 يوليو 2026

عباس سرحان ||

 

 

 

كنت صبياً، في ذلك الصباح البعيد من عام 1979، حين ملأت إذاعة طهران مخيلتي بصورٍ لم أكن أملك بعد مفاتيحها؛ كانت حشود طهران، في ذلك الأول من شباط البارد، تلتهم الطريق من مطار مهر آباد إلى مقبرة بهشت زهراء بملايين الخطى المسرعة والقلوب الملتهبة، تستقبل رجلاً عائداً من منفاه بعد خمسة عشر عاماً.

كانت اللافتات يومها تختصر المشهد كله بكلمتين تهتف بهما الحشود” إمام أُمَد” عبارةٌ بسيطة في ظاهرها، لكنها حملت زخم شعبٍ بأكمله وهو يستقبل قائده العائد من المنفى.

كلمتان اختصرتا سنوات طويلة من الانتظار والاشتياق والحاجة الى انتصار يفتح أفقا جديدا أمام شعب ملّ الإهمال والشعارات وتجبّر الملك.

لست أدري، إلى اليوم، أيُّنا كان أكثر دهشة: أنا الصبي الواقف أمام المذياع، أم واشنطن الواقفة أمام خارطة بدأت تتغير فلم تعد تفهم حدودها وألوانها؟

لوالدي رحمه الله فضلٌ أول في هذه الحكاية، فقد كان من أشد الناس حباً للإمام الخميني وتأييداً لثورته، وبحماسته تلك فتح عينيّ الصغيرتين وعقلي الغض على ما كان يردده بلغته البسيطة: “آية الله انتصر بالتربة والمسبحة لأنه رجل صالح”!
سألتُ يومها سؤالاً ظل يلاحقني: كيف حرّك الإمام الخميني شعب إيران كله؟ وهل تكفي التربة والمسبحة لفعل ذلك؟
وسأعرف لاحقا بعض أجوبة لسؤالي هذا!

انتابني شعور غريب وأنا أشاهد بعض لقطات بثت للإمام في التلفزيون وقتها. فعمامته السوداء وصمْتُه العميق ونظرته البعيدة، توحي بأنه رجل قدم من أعماق تاريخية كانت تحفلُ بالأنبياء.

وعلى قاعدة لكل مصلح أعداء، جهد أعداء الإمام الخميني لإفشال ثورته، فاغتالوا حوارييه وكبار القادة في دولته، وحرّكوا صدام ليهاجم دولته. وأحد هؤلاء الأفذاذ الذين استُهدِفوا كان السيد علي الخامنئي، رجلاً من مشهد وُلد عام 1939، اعتقلته أجهزة الشاه ست مرات بين 1962 و1975، ونُفي إلى إيرانشهر عام 1978 لأنه أصرّ، كما أصرّ آلاف غيره، على أن الاستبداد لا يُواجَه بالخنوع.

في حزيران 1981 استُهدف السيد الخامنئي بقنبلة أُخفيت في جهاز تسجيل أثناء إلقائه خطبة، فشلّت ذراعه اليمنى إلى الأبد، لكنه نجا من موتٍ كان قريباً جداً منه.

وأصبح، بعد أشهر قليلة، رئيساً للجمهورية في تشرين الأول 1981، خلَفاً للرئيس محمد علي رجائي الذي اغتيل قبله بأسابيع.
كان الخامنئي العظيم طوال زمن الثورة وما بعدها مقداماً وقائداً فذاً تولى منصباً مهماً في وزارة الدفاع، وتسلّم قيادة حرس الثورة الفتي، وصعد منبر صلاة الجمعة في طهران، حتى صار، قبل أن يكمل عامه الثاني والأربعين، أحد أعمدة النظام الجديد الذي كان لا يزال يؤسس دعائمه.

وفي الثالث من حزيران عام 1989 رحل الإمام الخميني، ومشى خلف نعشه ملايين المشيعين، لم تشهد الأرض تشييعا لجنازة إنسانٍ مثله. وفي اليوم التالي، الرابع من حزيران، اجتمع خبراء الدستور وانتخبوه ولياً جديداً للفقيه.

الدرس البليغ الذي قدمه السيد الخامنئي في تلك الجلسة أنه رفض أن يتولى المنصب وشدد على أعضاء المجلس أنه ليس كفؤاً له، ورجاهم أن يعفوه من تلك المسؤولية. لكنها وصية الإمام الخميني به واختيار المجلس له.

والعجيب أن الرجل الذي لم يرَ نفسه مؤهلاً لتحمل عبء المسؤولية خاض بإيران طوال ست وثلاثين عاماً بحاراً متلاطمة ووضعها في مصاف الدول القوية ومرّغ أنف امريكا بالوحل.

في تلك السنوات، لم يكتفِ السيد الخامنئي بإدارة إرث الإمام الخميني، بل حول جمهوريةً خارجة من حربٍ مدمرة فرضها صدام عليها إلى دولةٍ تمتلك، للمرة الأولى في تاريخ المنطقة الحديث، برنامجاً صاروخياً واسعاً وقدرات نووية أثارت العالم.

واليوم، بعد كل تلك العقود، استحضر صور الثورة الأولى وأيام انتصارها، وأنا أشاهد حشود الإيرانيين وغير الايرانيين الذين تجمعوا في طهران ومدن أخرى لوداع الإمام السيد علي خامنئي الذي اغتالته، في الثامن والعشرين من شباط الماضي، غارة أمريكية إسرائيلية مشتركة استهدفت اجتماعاً ضمّه إلى عددٍ من كبار مستشاريه، وعرج معه أفراد من عائلته: ابنته وصهره وحفيده وكنّته.

أما حكاية استشهاده فهي مليئة بالعبر؛ إذ أعرض عن نصائح جهازه الأمني بالانتقال إلى ملجأ آمن، وآثر أن يبقى بين الناس بلا حماية، فجاءت شهادته رسالة جديدة أيقظت فيهم جذوة الثورة، وجدّدت عهدهم بقادتها.

المحاولة الأولى، عام 1981، شلّت ذراعه ولم تقتله؛ والمحاولة الأخيرة، بعد خمسة وأربعين عاماً بالتمام، جعلته رمزاً وحّد إيران والتف حوله الايرانيون من جديد في ظرف بالغ الخطورة. وكأن القدر، حين قرر أخيراً أن يأذن له بالرحيل، أراد أن يذكّرنا أنه كان يمهله منذ زمن طويل، ليؤدي دوراً عظيماً اكتمل بشهادته.

ومع كل ما تحمله اللحظة من رمزية، لا أستطيع إلا أن أرى الخيط الذي يشد الحكايتين معاً: صبيٌ استمع ذات فجرٍ بعيد إلى صوت جموعٍ تستقبل هيبةَ نبي، ويستمع بعد سبعة وأربعين عاماً إلى صوت جموعٍ أخرى تودّع أطول تلاميذه حكماً وأكثرهم حضوراً في المشهد العالمي.

وما زالت دولة الإمام الخميني تمد جذورها الصلبة لتبقى، لأن مشيّديها رجالٌ أخلصوا لله وصدقوا مع شعبهم، وتبنّوا مشروعاً واضحاً عملوا على تحقيقه؛ فلم تكن التربة والمسبحة شعاراً عابراً، بل ممارسةً حيّة تجسدت في العمل والفعل.