شرف الكراسي..!
رياض الفرطوسي ||

حين كنا نجلس معهم في منافي الشتات، عواصم باردة وخطابات دافئة ، كانت الكلمات تتدفق من أفواههم كشلالات من طهر. تسمع الواحد منهم يتحدث عن مظلومية الشعب العراقي، فتكاد ترى في عينيه دمعة الثائر وزهد الأنبياء. كانوا يحملون براءة البدايات، ملامح تقشف واضحة على ثيابهم، وجيوباً فارغة إلا من أحلام عريضة بالعدالة والحرية، وتوزيع ثروات البلاد على الجياع والمحرومين. في تلك الأيام، كانت السلطة في أدبياتهم “شراً لابد من إصلاحه”، والكرسي رجساً من عمل الطغاة.
دارت الأيام دورتها، وانفتحت مغارة علي بابا. عشرون عاماً مرت على جلوس هؤلاء الثوار على ذات المقاعد التي شتموها طويلاً. ويا للعجب مما تفعله القصور بساكنيها. تلك الوجوه التي ألفت الشحوب والتقشف، أشرقت بنعيم مجهول المصدر، وبدأت الأجساد تتضخم بفعل الولائم، والنفوس تضيق بفعل الجاه.
إنها الغواية الصامتة؛ تبدأ بخطوة صغيرة لحماية “الإنجاز”، وتنتهي بسياج من الحراس والسيارات المصفحة التي تعزل القائد عن شعبه. تدريجياً، تسلل الحواريون والانتهازيون والوشاة ، أولئك الذين يتقنون صناعة الأصنام من الطين. التف حولهم أصحاب المصالح والنقّاع “المنفّعون”، فبنوا حول المسؤول جداراً سميكاً من النفاق، يهمسون في أذنه ليل نهار: “أنت المنقذ، ولولاك لضاعت البلاد”. في هذه البيئة المشبعة بالبخور والمديح، تلاشت براءة المعارض القديم، وحلت محلها غطرسة الحاكم المستبد.
العجيب، بل والمبكي في آن واحد، أن هؤلاء القادة ما عادوا يتحملون كلمة نقد واحدة . الرجل الذي كان يقضي ليله في كتابة البيانات ضد قمع السلطة السابقة، بات يرى في شكوى مواطن يطلب الماء والكهرباء والحقوق مؤامرة خارجية تستهدف “التجربة الديمقراطية”. تحولت أحاديث الزهد إلى صفقات مليارية، وأصبحت ميزانيات البلد العريق تُقسّم كغنائم حرب بين الأتباع والمريدين، بينما يغرق الشارع في أزماته.
كيف لبلد بوزن العراق، بثقله التاريخي، وعمقه الحضاري، وثرواته الهائلة، أن يُقاد حتى اليوم بهذه العقلية الضيقة؟ إنه سؤال يبعث على الدهشة والحيرة. كيف يستمر هؤلاء في حكم بلد معقد كالعراق بعقلية “القرية” أو “المغنم”، دون أي أفق سياسي أو رؤية لبناء دولة حقيقية؟ لقد أصابهم العمى السياسي الذي يصيب كل من يطول مكثه فوق كرسي السلطة؛ ظنوا أن ثروات الأرض ملك ليمينهم، وأن بقاءهم قدر لا مفر منه، غافلين عن حقيقة تاريخية كبرى: أن الشارع الذي استقبلهم يوماً بالورود، هو نفسه الشارع الذي يغلي اليوم تحت أقدامهم، وأن نهايات السقوط من أعالي الوهم تكون دائماً تراجيدية وقاسية، لأن عيونهم لم تعد ترى سوى بريق الكراسي، بينما يتشكل الإعصار في الأسفل.




