اللباس والنائبة ( قراءة لسانية)..!
د. حسين القاصد ||

العرب تسمي الثوب ( لباساً) لكنَّ تسميةً حرفية تشي بدلالة فصيحة راكزة، هي تلك التي يستعملها العراقيون، ويجعلونها حصراً على القطعة السفلى من الملابس الداخلية.
قلت: لها دلالة فصيحة راكزة وأريد بذلك الجذر اللغوي للتسمية، الفعل ( لبس يلبس) يأتي منه اللبس، والالتباس، وفي حالة الالتباس تكون الحاجة ماسة لإزالة اللبس، وحين نذهب باتجاه التسمية العراقية، فإن إزالة اللبس أو الالتباس أو حتى اللباس، تتسبب بكشف المستور والوصول للحقيقة الصادمة أو الفضيحة الكبرى.
فما بالك بقطعة قماش ترتدى للخلع؟ فهو مهما غلا سعره ومهما كان لونه تنتهي مهمته وتتجلى قيمته برميه طمعا بالوصول، فلا وصول إلا بعد زوال اللبس؛ لذلك قيمته تكمن في خلعه، فهو يرتدى للخلع.
ينسب لمعروف الرصافي أنه أراد أن يشتري بعض ما يلبسه، وحين راقت له بائعة الملابس قال لها بحجة التفاوض على السعر:
أما القميص فقد عرفنا سعره
أما اللباس فأنزليه قليلا!!.
في مكان معروف من بغداد، هناك تمثال لكهرمانة والأربعين حرامياً، والحرامي نسبة للحرام، وهو اللص، إلا أن الغريب أن هذا التمثال تقف بقربه سيارة شرطة بشكل دائم.
أول ما يفكر به من يرى التمثال وصورة سيارة الشرطة التي وجهها للتمثال هي وشرطتها، وخلف ظهرها في نهاية الشارع الطويل تقع المنطقة الخضراء، أول تأويل للمشهد هو أن الشرطة تحرس التمثال، لكن تأويلاً خطر في بالي هو أن الشرطة تراقب كهرمانة، والحرامي الذي يفلت منها، تمسكه الشرطة كي لا يتجه للخضراء، وينافس السادة النواب.
مع ذلك فإن السيدة كهرمانة لم تفرط بلباسها، واللباس باللباس يذكر، فإن الحرامي المتمرس الخبير لا يسرق شيئا رخيصا، لذلك احتفل العراقيون على خيبة ما وصلوا إليه، حين شاهدوا نائبة تفهم قيمة اللباس ومكانته وأنه يرتدى للخلع!، فضلا عن كونها تعي جيدا أن أثمن ما يمكن سرقته هو الذهب، وأثمن ما يملكه الإنسان هو الشرف، لذلك جعلت (لباسها) ذهباً فحفظت قيمة الأشياء الثمينة، واحتفظت باللباس الذهبي في مكان مستور بعيدا عن الشرف.




